ورث مراتى 2امانى السيد

نُشر منذ 4 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

فتحت الخط بإيد بترتعش، وصوتي طالع بالعافية من هول الصدمة: “ألو.. مين معايا؟” جاءني صوت رجل جاد وصارم، نبرته ما بترحمش: “أنت الأستاذ فلان؟ معاك النقيب محمد من قسم الشرطة. طليقتك الأستاذة حضرت هنا من ساعة ومعاها المحامي بتاعها، وقدمت بلاغ رسمي بتهمة تبديد منقولات زوجية وشيكات بدون رصيد، بالإضافة لمستندات بتثبت إنك استوليت على مبالغ مالية منها بطرق غير قانونية.

صدـ,,ـــر ضدك ضبط وإحضار فوراً، ولو ما جيتش بنفسك تسلم نفسك خلال نص ساعة، قوة من المباحث هتنزل تجيبك من العنوان اللي أنت فيه.” الخط اتأفل في وشي، والصوت بقى يتردد في ودني زي الجرس اللي بيعلن نهايتي. التليفون وقع من إيدي على الأسفلت واتكسرت شاشته، زي ما حياتي كلها اتكسرت في لحظة. بصيت حوالييا، المشهد كان يهد أعتى الرجال.

أمي قاعدة على كرتونة قديمة في شارع العمارة، حاطة إيديها على خدها وبتعيط بكسرة، وإخواتي البنات بيتخانقوا مع بعض وبيرموا التهم على بعض، وعيالهم صوت صرخهم مالئ الشارع، والجيران مطلعين رؤوسهم من البلكونات يتفرجوا علينا كأننا مسرحية. أنا اللي كنت ماشي في المنطقة دي مرفوع الرأس، صاحب كلمة وهيئة، بقيت مسخرة الشارع والكل بيأشر عليا بصباعه.

أمي أول ما شافت منظري ونظرة الرعب في عيني، قامت تقف بالعافية وهي بتتسند على اختي: “في إيه يا ابني؟ مين اللي كان بيكلمك؟ وشك أصفر كدة ليه يا حبيبي؟” رديت عليها بصوت طالع من قاع البئر، صوت مكسور ميهوش أي نبرة رجولة: “الشرطة يا أمي.. طلباني بالاسم. البلاغ نزل، وتبديد عفش وشيكات.. هتحبس!” أمي صرخت ولطمت على خدودها: “يا لهوي يا فضيحتنا! هتحبس يا ابني؟! طب والعمل؟ اتصل بأميرتك الجديدة.

. اتصل بأبوها يلحقك أو يدفعلك كفالة! أنت مش جيبتلهم دهب وألماظ بآلاف؟ خليهم يقفوا جمبك!” ضحكت ضحكة هستيرية، ضحكة واحد أدرك إنه بقى تحت السفرة خلاص: “عروسة إيه وأميرة إيه يا أمي؟! العروسة أبوها رفضني وقفل السكة في وشي وعملي حظر، والدهب اللي حيلتي كله راح، ومفيش مخلوق في الدنيا دي هيرضى يبص في وشي دلوقتي! كل ده بسبب فكرتك.. وبسبب طمعي وعنادي!” إخواتي أول ما سمعوا كلمة “شرطة” و”حبس”، ملامحهم اتغيرت في ثانية.

الشفقة اللي كانت في عيونهم تحولت لخوف ورغبة في النجاة بأنفسهم. واحدة منهم شالت شنطتها وقالت ببرود: “أنا ماشية يا أخويا، جوزي مستنيني وما ينفعش أتورط في قضايا ومباحث.” والثانية سحبت عيالها وراها وقالت: “وأنا كمان مش هقعد في الشارع، هروح لبيت جوزي قبل ما الدنيا تظلــ,,ـــــم.” سابوا أمهم الواقفة على رجل واحدة وسابوني أنا اللي كنت فاكر إنهم سندي، ومشيوا يجروا خطاويهم كأننا وباء خايفين يتعدوا منه. بقيت أنا وأمي بس..

واقفين وسط كراتين وشنط هدوم متبهدلة في نص الشارع. الشمس كانت بتغرب، والنور بانسحب من الدنيا زي ما الأمل انسحب من قلبي. أمي قعدت على الأرض تبكي وتندب حظها، وأنا مسكت الشنطة اللي مراتي رمتها لي عند البواب، وسحبتها بإيد مهدودة. رجلي كانت تقيلة كأنها مربوطة بسلاسل حديد، وأنا ماشي في اتجاه قسم الشرطة عشان أسلم نفسي، لأن الهرب مش هيفيد، ومفيش مكان أستخبى فيه ولا قرش في جيبي أدفع بيه أجرة تاكسي.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
949مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة