!” خد منى احمر في ثواني. معيطتش بصوت ولا صرخت، سابت دموعها تنزل ساكتة وتغرق لفة بنتها اللي في حضنها. أنا كنت واقف في نص الأوضة مشلول، عاجز.. بين أمي الست الغلبانة اللي فنت عمرها عشان تكبرني وتعمل مني راجل ،وبين مراتي الغلبانة اللي لسه والدة وشايفة الموت بعينيها عشان تجيب طفلنا . دارت في دماغي كلام كتير، بس لما فتحت بوقي، طلعت مني الكلمة اللي هفضل ندمان عليها وأعض صوابعي عليها لحد ما أموت: ”منى.
. معلش دي أمي ومقَامها كبير.. تعالي على نفسك شوية عشان خاطري واشربيها وعدي الليلة.” منى رفعت عينيها وبصتلي.. نظرة عمري ما هنساها. مكنش فيها عتاب، ولا غل، ولا حتى قهر. كانت نظرة باردة زي التلج.. زي ما يكون آخر شمعة حب ليا في قلبها انطفت واترمت في التراب. مقالتش لأ، ولا سألتني ليه جيت عليها.. مدت إيدها في سكات وخدت الطبق. وبقت تشرب بق ورا بق.. كانت بتغصب نفسها تبلع الدهن والسمن التقيل ودموعها نازلة .
لما خلصت والطبق مابقاش فيه نقطة، أمي نفخت بارتياح ونفضت إيدها وخرجت للصالة، وسمعتها من بره بتقول بصوت عالي لجارتنا أم محمد اللي كانت بتخبط: “النسوان بتوع اليومين دول دلوعين وعايزين الكرباج، بس قرصة ودن صغيرة بتخليهم يمشوا مسطرة ويجيبوا ورا.” منى مكنتش سامعة أو عاملة نفسها مش سامعة. حطت الطبق الفاضي، وبدأت تهز البنت وتغني لها بصوت واطي ومخنوق: “نامي يا حبيبتي نامي..”. النغمة كانت حزينة لدرجة تخلي الحجر ينطق.
وقفت أنا على الباب.. كنت عايز أعتذر، أشرح، أقول أي كلمة تطيب خاطرها، بس لساني اتعقد وسكت. بالليل، الحسبة قلبت بجد.. صدر منى حجر وبقت تتلوى وتموت من الوجع وتكتم صرختها في المخدة بسبب انسداد قنوات اللبن والسخونة. أمي بصت لها بطرف عينها وقالت ببرود: “شوية وجع نفاس وهيعدوا، متبقيش خفيفه كده”. بعد اليوم ده، منى اتمسحت.. مبقتش منى اللي عرفتها. بقت زي الخيال في الشقة، بتعمل تلات حاجات وبس: ترضع البنت.
تغير الحفاضة. تنيمها. بتتحرك زي الآلة المبرمجة. أمي تقولها اشربي تشرب، اعملي تعمل. أمي افتكرت إنها كده خافت منها” وبقت تسمع كلامها “. وبقت الشكاوى والتلغيم يزيد كل يوم: “لبنك قليل عشان مبتكليش كويس”، “بنت أم محمد قامت غسلت وطبخت من تالت يوم ولادة”. ومنى ساكتة.. سكوت مرعب مكنتش فاهمه، وكنت بغبائي فاكر إن المشاكل بتتحل والبيت بيستقر. لحد ما جه يوم السبوع.
حماتي، طنط هدى، جت عشان تاخدها تقضي معاها كام يوم. أول ما دخلت من الباب، شفت في عنيها غضب واضح وكأنها عارفة كل حاجة. بصتلي وقالت بكلمتين ناشفين: “منى هتيجي تقعد معايا في بيت أبوها كام يوم ترتاح.” أنا مكنش عندي أي شك وقلت بحسن نية: “ماشي يا طنط، تغير جو برضه وتفك عن نفسها”.
أمي كانت واقفة ورايا وبصت من فوق لتحت وقالت: “هما يومين اتنين بس يا أم منى، تغيير الهوا يجيب للبت برد”. منى مالتفتتش وراها ولا بصت لأمي. وهي واقفه على عتبة الباب، . حماتي سندتها وركبتها العربية وقبل ما تدور العربية، بصتلي نظرة طويلة.. نظرة مليانة قرف واستهزاء على خيبتي، نظرة مفهمتش معناها غير متاخر العربية مشيت واتدارت ورا أول ملف في الشارع.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.