تمن عمليه امي الكاتبة نور محمد

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

​حراس الفيلا بدأوا يجروا ورايا. مكنتش شايفة قدامي غير باب المطبخ اللي بيطل على الجنينة الخلفية. قلعت جزمتي الكعب اللي كانت معطلاني ورميتها في وش أقرب حارس ليا، ورميت كل حتة دهب لبستهالي الست دي، كأني بتخلص من قيود شيطان.

​خرجت للجنينة، الشوك والحصى كان بيقطع في رجلي الحافية، بس وجع رجلي كان ولا حاجة قد رعب إني أرجع للأوضة دي. لقيت سور صغير وراه باب حديد موارب للخدم، زقيت الباب بكل عزمي، وطلعت على الشارع الضلمة.

​فضلت أجري… أجري وأنا بصرخ والدموع مغرقة وشي. الشارع كان مقطوع، برد الليل بيضرب في جسمي اللي مش متغطي غير بفستان فرح رخيص ومتقطع. الكلاب بتهوهو، وصوت عربيات الحراس بدأت تدور ورايا. رميت نفسي في خندق ضلمة جنب الطريق الزراعي، وكتمت أنفاسي وأنا شايفة كشافات العربيات بتدور عليا زي الديابة اللي بتدور على فريسة.

​لما العربيات بعدت، طلعت من الخندق، وفضلت أمشي على الأسفلت البارد ورجلي بتنزف. لحد ما لمحت ضوء أزرق وأحمر بيلف من بعيد. كانت سيارة دورية شرطة واقفة في كمين ليلي.

​جريت عليهم كأني شفت طاقة نور في وسط قبر. رميت نفسي قدام العربية، والظابط نزل بسرعة وهو حاطط إيده على س/لاحه مستغرب من المنظر… واحدة بفستان فرح متقطع، حافية، ومنهارة من العياط في نص الليل.
​— “يا فندم الحقني! بيس/رقوني… بيق/تلوني… عاوزين يقطعوا لحمي!”
قلتها وأنا بقع على ركبي، والظابط (اللي عرفت بعدين إن اسمه الرائد طارق) نزل لمستوايا، وقلع الجاكيت الميري بتاعه وغطاني بيه، وقال بصوت حازم بس فيه حنية أب أو أخ:

— “اهدي يا بنتي، إنتي في حماية ربنا ثم في حمايتي. محدش هيقدر يمس شعرة منك. احكيلي إيه اللي حصل.”
​أخدوني على القسم. وهناك، وسط الدفء وكوباية شاي سخنة، حكيت للرائد طارق كل حاجة بالتفصيل. من أول فقرنا، لمرض أمي، لبيع أخويا ليا، للست الغنية، لحد أوضة العمليات المرعبة. طارق كان بيسمع ووشه بيتحول لكتلة من الغضب.

​— “الناس دي فاكرة إن بفلوسها تقدر تشتري أرواح الناس؟ الجوازة دي كانت مجرد ثغرة عشان يثبتوا صلة القرابة في أي مستشفى لو حصلت مضاعفات، وعشان يضمنوا إنك تحت سيطرتهم.” طارق قالها وهو بيضرب بإيده على المكتب.

​في خلال ساعتين، كانت قوة مكبرة من المباحث والقوات الخاصة بتقتحم القصر. حاولوا ينكروا، وحاولت الست المغرورة دي تعلي صوتها وتستخدم نفوذها، بس لما طارق كسر باب الأوضة اللي هربت منها، لقوا كل حاجة زي ما هي.. أجهزة العمليات، والأدوات، والأدوية المهربة. اتقبض على حماتي، والدكتور اللي طلع أصلاً مشطوب من نقابة الأطباء بسبب قضايا إتجار بالأعضاء، واتحطوا كلهم في الحديد.

​تاني يوم، الرائد طارق بعت جاب أخويا. أول ما أخويا دخل وشافني قاعدة في مكتب الظابط ووشي شاحب، قلبه وقع في رجليه. الظابط حكاله اللي كان هيحصل فيا. أخويا انهار… وقع على الأرض وبكى بدموع حقيقية لأول مرة. هو كان طماع، وكان أناني، بس مكانش يتخيل إنه بيسلم أخته لمسلخ بشري. الفلوس اللي فرح بيها كانت تمن كبدي، وتمن حياتي.

​— “سامحيني يا أمل… والله العظيم ما كنت أعرف. أنا كنت فاكرها جوازة ذل وخدمة، مش موت وتقطيع! الفلوس أهي ملعونة، تروح في داهية، بس إنتي تعيشي!”
بصيت لأخويا بكسرة، وقلتله بهدوء موجع: “الفلوس دي مش هترجعلي كرامتي اللي بعتها يا حسن، بس يمكن الدرس ده يخليك تفهم إن العزوة مش بالفلوس، العزوة بالرجولة اللي ضيعتها.”

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
931مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة