.....متك ولا مسحت بكرامتك الأرض قدامهم!" قفلت الحنفية بهدوء شديد، تكّة الخلاط عملت صوت طقطقة واطي في سكون المطبخ، ومسكت الفوطة الصغيرة ونشّفت إيديا صباع صباع، كأني بعمل طقس مقدس مفيش وراه أي استعجال. طارق كان واقف نافخ صدره، وشه محتقن باللون الأحمر اللي بيطلعله كل ما يحس إنه اتهز من جواه، عروق رقبته ناطة، وحاطط إيديه الاتنين في وسطه، مستني مني العياط المعتاد.
. مستني الصوت المخنوق اللي يترجاه ويقوله: "ليه يا طارق؟ هو أنا قصرت معاك في إيه؟" عشان ياخد الجملة دي ويبني عليها قصيدة لوم كاملة يثبت بيها إني نكدية وعمري ما هفهم "الهزار"، وإن دمي تقيل، وإني فضحتنا قدام عصام ومراته ببوزي اللي شبرين. بس أنا مالتفتش حتى بسرعة، أخدت ثواني أعلّق الفوطة في مسمارها جنب الرخامة، ولفيت ووشي كان أهدى من مية راكدة في ترعة مهجورة.
نظرة فاضية تماماً، مفيهاش لا دموع ولا عتاب ولا غضب. "إيه؟ بتبصيلي كده ليه؟ ما تنطقي!" صوته علي شوية، بس كان فيه رعشة تردد مش لاقية ممسك تمسكني منه. "هو إنتي صدقتي الهزار بجد؟ بقى بذم...تك تقومي تشيلي الأطباق والناس قاعدة لسه بتاكل؟ مش دي قلة ذوق وقلة واجب؟ عصام نازل وشه في الأرض من كسفتك ليه ولحرمته! الراجل كان قايم لسه شبعان ومستني يشرب الشاي والتحلية، وإنتي كأنك بتطر.
...........ديهم عين عيني!" سيبته يتكلم، سيبته يفرغ كل العصبية المف...تعلة اللي بيحاول يداري بيها خيبته وكسفته قدام نفسه. بصيت لعينيه مباشرة، للمرة الأولى من سنين مش حاسة بخوف، ولا حاسة بالذنب اللي كان دايماً بيزرعه جوايا: "طارق، إنت خلصت؟" الكلمة نزلت عليه زي الدش الساقع. برّق وقال: "يعني إيه خلصت؟
إنتي بتستعبطي؟" "يعني لو خلصت كلام، وطي صوتك عشان الجيران، والوقت اتأخر." رديت بصوت واطي جداً، بس كل حرف فيه كان طالع زي حجر تقيل. خطيت من جنبه عشان أخرج من المطبخ، مالمستش كتفه حتى. مسك دراعي، مش بقوة تكسر، بس مسكة فيها غل اللي عايز يفرض سيطرته: "ماتدينيش ضهرك وتمشي وأنا بكلمك! أنا بتكلم عن بيتي وضيوفي!" بصيت لإيده اللي ماسكة دراعي بهدوء شديد، ورجعت بصيت لعينيه وقولت بجمود: "شيل إيدك.
" نبرتي مكنتش متعودة عليها ودانه؛ طول عمري ست حنينة، بطاطي عشان المركب تمشي، وبقول "معلش" ألف مرة في اليوم حتى لو الغلط راكبه من ساسه لراسه. شال إيده فجأة كأنه اتلسع، ورجع خطوة لورا وهو بيتلعثم: "إنتي... إنتي اتجننتي ولا إيه الحكاية بالظبط؟" "لا يا طارق، أنا عقلت. عقلت أوي كمان." سبته ودخلت أوضة النوم، وقفلت الباب ورايا من غير ما ارزعه، بس لفيته بالمفتاح تكة واحدة.
سمعت خطواته السريعة ورايا، مسك الأوكرة وحاول يفتحها، فلما لقاها مقفولة خبط خبطتين: "مروة! بتتربسي الباب في وشي؟ بقى ده جزاتي؟ ده بدل ما تيجي تعتذري؟" ماردتش. وقفت قدام مراية الدولاب وبصيت لنفسي تحت نور النجفة الأصفر الخافت. بصيت لستة وأربعين سنة متجسدين في الوش اللي قدامي. الهالات مش بس من سهر الأيام الأخيرة؛ دي هالات تمنتاشر سنة جواز.
تمنتاشر سنة وأنا شايلة القفة على دماغي وساكتة، بجري الصبح للشغل، وأطلع من الشغل على السوق، ومن السوق على المطبخ، وبعد الغدا والمواعين افتح اللابتوب والدفاتر عشان أراجع ميزانيات شركات وألم حسابات عيادات ومحلات عشان أجمّع الألفين والتلاتة زيادة اللي بيسدوا عجز البيت وأقساط الشقة. إيديا اللي كانت بيضا وناعمة لما اتجوزته، بقى جلدها ناشف ومشقوق عند الصوابع من سلك المواعين ومية الكلور.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.