حكايات امانى السيد 3

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

صوت مرتضى في التليفون كان متقطع، يخنقه الرعب ونفَس مهدود، وصوت مساحات عربيته وهو سايق وراها بسرعة جنونية كان مسموع بوضوح وسط دوشة المطر: «فريدة! رانيا اتصلت بشوقي قدامي من تليفون الشركة وواعدته على الطريق عند مدخل مارينا، البت اتعمت، فاكرة إن شوقي هيديها ملايين ويهربها، ومش فاهمة إن شوقي ده لو خد الورق هيدفننا كلنا بالحيا!

أنا وراها على الصحراوي بس الطريق مقفول في الحارة البطيئة بسبب تريلا مقلوبة، لو وصلتلها قبلي هتبقى نهايتنا!».قفلت السكة في وشه من غير ما أنطق بنص كلمة.

رميت الموبايل على الكرسي اللي جنبي، وبصيت لحسام المحامي اللي كان سايق عربيته ورانا ومعاه الرجالة في تواصل لاسلكي، وزودت بنزين لحد ما عداد السرعة لامس الـ 180. المطر كان بينزل سيول، يضرب في الإزاز زي رصــ،،اص بارد، بس جوايا كان أبرد من التلج. مرتضى فاكرني بجري عشان أنقذ رقبة اسم أبويا، ومش مستوعب إني طالعة عشان أجمع كل أطراف اللعبة في نقطة الصفر وأقفل عليهم القفص بإيدي.

رنيت على اللواء المتقاعد، «شوقي بيه»، من نفس الرقم اللي كلمني منه. الخط رن مرتين وفتح، وصوته الجهوري المليان ثقة طلع: «أهلاً بمدام فريدة، شكلك لحقتي تفهمي قيمة المكالمة اللي فاتت بسرعة؟».

رديت بنبرة حادة وراسخة، مفيهاش ذرة ارتباك: «شوقي بيه، العب معايا على المكشوف. رانيا مجرد سكرتيرة ومحروقة، والورق اللي في إيدها لو وصل لإيدك، أقصى حاجة هتعملها إنك هتدخل بيه خـ،،ناقـ،ـه في المحاكم تقعد عشر سنين عشان تثبت تزويـ،ـر أو تورط والدي، وفي الآخر مش هتطول مليم، لأن أملاك مرتضى خلاص بقت تحت الحجز لصالحي أنا قانوناً، يعني مش هتلاقي قرش تسده منه ديونك القديمة.

لكن لو عايز حقك كاش وبأرقام تعوض سنين خروجك من السوق، يبقى ميعادك مش مع رانيا.. ميعادك معايا أنا في الشاليه بعد نص ساعة، والورق اللي بيحرق قلبنا إحنا الاتنين، إحنا اللي نقعد نتصرف فيه».

سكت شوقي ثواني، حسابات المكسب والخسارة دارت في دماغه بنفس منطق التجارة: سكرتيرة مذعورة بتبيع ورق مسروق في محطة بنزين على الصحراوي، ولا سيدة أعمال في إيدها كل مفاتيح الخزائن ومستعدة تنهي الحسابات؟ قال بصوت واطي ومدروس: «قدامك خمسة وتلاتين دقيقة يا فريدة، لو ما كنتيش في الشاليه قبلي، رانيا هتقابلني هناك، واللي هيديني المفيد الأول، هو اللي هيمشي على رجليه».

وصلت بوابة القرية السياحية في الساحل، الجو كان عاصف والبحر صوته هادر ومرعب في الضلمة، شاليه والدة مرتضى كان في طرف معزول، مبني على الطراز القديم، حيطانه واكلة من رطوبة البحر. نزلت والمطر بيغسل وشي، حسام والرجالة اتمركزوا في العربيات المتدارية ورا سور الجنينة، وطلعت السلالم الرخام ببطء.

الباب كان مكسور كالوونه بعنف؛ رانيا سبقتني بدقايق. دخلت بخطوات ناعمة، الصالة كانت ضلمة كحل، ومفيهاش غير نور كشاف موبايل طالع من الأوضة الداخلية، وصوت كركبة وأوراق بتتقلب وشنط بتتفتح بهستيريا. وقفت على باب الأوضة وسندت كتفي على الحلق، وبصيت للمشهد من غير صوت. رانيا كانت راكعة على ركبتها في الأرض قدام خزنة حديد مدمجة في الحيطة ورا برواز صورة قديم، إيديها بتترعش وهي بتلم ملفات كرتون صفرا وبتحطها في شنطة هاندباج، هدومها متبهدلة من المطر وطرحتها مفكوكة وشكلها يقطع الخميرة من البيت.

دست بكعبي على طرف لوح خشب في الأرض، عمل تكة ناشفة، رانيا اتنفضت وصرخت برعب وهي بتلف وشها، ورفعت كشاف الموبايل في وشي: «مين؟!».نور الكشاف ضرب في عينيا، بس أنا ما رمشتش، فضلت باصة لها ببرود وابتسامة سخرية مرسومة على شفايفي: «بتدوري على كارت الإفراج يا رانيا؟».

رانيا شافتني واتسمرت مكانها، عينيها وسعت بجنون، وقامت وقفت وهي حاضنة الشنطة لصدرها كأنها ماسكة روحها: «إنتي؟! وصلتي هنا إزاي؟! ابعدي عني يا فريدة! الشنطة دي فيها رقبتك ورقبة أبوكي واسم عيلتك اللي بتتعالي بيه عليا! شوقي بيه على وصول، والورق ده مش هيطلع من إيدي إلا لما أقبض تمن عمري اللي ضاع، وتمن القلم اللي جوزك ضربهولي عشانك!».

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
949مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة