خرجتُ من الأوضة بخطوات ثقيلة كأنني أحمل جبال العالم على كتفي. كنتُ أنظر إلى أبي الممدد على الأريكة، تنفسه مجهد ووجهه شاحب من أثر الصدمة التي كادت تودي بحياته، وإلى إخوتي الذين يقفون كالأشجار اليابسة في مهب الريح، السكاكين والشوم في أيديهم والدم يغلي في عروقهم. كانت نعمة قد سُحبت خارج البيت كجثة هامدة بعد أن طلقها زوجها محمد بالثلاث وأهدر أهلها دمها وعارها، وطُرد طليقي مكسور الرأس بلا شرف ولا مال ولا عمارة يأويه.
لكن “سيد بقلة” البلطجي كان لا يزال ممدداً في الحوش، مربوطاً بالسلاسل، ودمه ينزف على التراب، شاهداً حياً على الفضيحة التي لا تمحوها مجرد اعترافات.
قربتُ من أبي، وجلستُ عند قدميه، وأمسكتُ بيده المرتعشة، وبكيتُ بكاءً مريراً خنق حلقي: “حققتوا لي حقي يا يابا.. رجعتوا لي كرامتي قدام الناس، بس قلبي محروق.. بيتي اتخرب وعيالي اتيتموا وأبوهم حي، والناس بره مش هتبطّل كلام حتى لو عرفوا الحقيقة!
”
أبي فتح عينيه الغائمتين، ومسد على رأسي بإيد جافة ومرتعشة، وقال بصوت حشرجي مجهد: “الناس تفتح بقها وتقفله يا فوزية.. المهم الشرف يرخص قدام الدم وما يترخصش قدام الناس. راسك تفضل مرفوعة للسما، واللي يفكر يرميكي بكلمة، إخوتك يقطعوا لسانه من لغاليغه.”
في تلك اللحظة، وقف محمود أخي الكبير في منتصف الحوش، ونظر إلى سيد بقلة بنظرة غضب لم تنطفئ. قرب منه، وزقه بقدمه وقال بصوت جاف كصخر الجبل: “اللي حصل ده رد اعتبار فوزية قدام البلد.. بس الباب ده مش هيتقفل إلا لما القانون ياخد مجراه والكل يتدفن في الجحيم اللي صنعوه بنفسهم.”
محمود أخرج تليفون نعمة وتليفون طليقي، ومسك تليفون سيد بقلة، واتصل برئيس مباحث المركز مباشرة. محمود كان راجلاً ذكياً ويعرف كيف يزن الأمور بميزان العرف والقانون معاً. قال لرئيس المباحث نبرة حازمة: “يا باشا.. عندنا قضية بلطجة وتلفيق وتزوير وهتك عرض وشروع في جريمة، والمسجل خطر ‘سيد بقلة’ مقبوض عليه في حوش بيت الحاج صعيدي مع الأدلة والفيديوهات والرسائل الصوتية. تعالي باستدعاء رسمي واقبض عليه وعلى اللي زقوه، قبل ما الصعيد يغسل عاره بإيده!”
خلال نصف ساعة، كانت سيارات الشرطة تملأ الشارع، وأصوات السرينات تجأر في الحارة. دخل الضباط إلى الحوش، وشاهدوا سيد بقلة المربوط والأدلة المتوفرة من التسجيلات والمكالمات والفيديوهات التي تفصّل الخطة الدنيئة لتهديدي وتلفيق القضية لي. تم التحفظ على التسجيلات والتليفونات، وسُحب البلطجي إلى سيارة الترحيلات كالكثير من النفايات، وصدرت أوامر ضبط وإحضار فورية لطليقي ولنعمة بتهم التزوير والتلفيق والشروع في هتك العرض والبلطجة.
لكن الأحداث لم تقف عند هذا الحد. في اليوم التالي، انتشر الخبر في الناحية كلها أن طليقي، الذي خرج من بيتنا مكسوراً ومطروداً، لم يستطع مواجهة فضيحته ولا مواجهة غضب أهله والشرطة التي تطارده. قاد سيارته بطريقة هستيرية على الطريق الزراعي السريع في محاولة للهرب خارج المحافظة، فانقلبت به السيارة وسقطت في الترعة الإبراهيمية!
وصل الخبر إلى العائلة كالاعصار: طليقي نُقل إلى المستشفى المركزي بين الحياة والموت، فاقداً للوعي وجسده مهشم بالكامل، يقبع تحت حراسة مشددة من الشرطة بانتظار إفاقته ليواجه السجن أو الموت!
أما نعمة، فقد هربت إلى بيت أسرتها في البلدة المجاورة، لكن أهلها، الذين غسلوا أيديهم منها أمام كبار العائلة، حبسوها في أوضة ملحقة بالبيت وأغلقوا عليها الباب بالسلاسل، ورفضوا إعطاءها أي طعام أو ماء إلا بما يقيم أودها، مهددين إياها بالقتل إذا حاولت الخروج أو إحداث أي جلبة، بينما كانت الشرطة تطوق المكان للقبض عليها ونقلها إلى التخشيبة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.