خلال أقل من نص ساعة، كانت الحارة مقلوبة وكبار عيلة نعمة من البلد المجاورة وصلوا ومعاهم كبار عيلة جوزي، الوجوه كلها كانت سودة ومشدودة وزي القطر اللي ماشي في طريق ملهوش راجعة. البوابة الحديد اتفتحت ودخلوا كبار العائلات، والأبواب اتسفقت وراهم بالسلاسل زي قفص الفتنة.
أول ما كبار عيلة نعمة دخلوا الحوش وشافوا بنتهم مربوتة في العمود، ووشها نازل منه الدم والدموع، وسيد بقلة البلطجي جنبه، وجوزي متكتف، والناس كلها سامعة الاعترافات اللي اتذاعت في ميكروفون البلد، كبير عيلتها اتنتر من مكانه وكان هيموت من الصدمة والعار.
أبويا قعد على الكرسي في صدر المندرة، ومحمود أخويا واقف جنبه ماسك السلاح والتليفون اللي فيه الفويس نوت والرسائل، وعرض كل حاجة قدام كبار العيلتين على شاشة التليفون وبصوت رنان.
كبير عيلة نعمة وقف وشه في الأرض، عيونه مش قادرة تترفع في عين أبويا الصعيدي، وقال بصوت بيترعش من الخزي: “يا حاج صعيدي.. إحنا كبار عيلة ونعرف الأصول والعرف، اللي بنتنا عملته ده عار وما ينغسلش بماء الورد، دي فجرت وخانت جوزها وطعنت ناس شرفاء في عرضهم وتلفقت لهم التهم، وبنتنا دي بريئة مننا ومن عيلتنا من اليوم ده، واللي تشوفوه فيها اعملوه، إحنا مش هنقف قدام حقكم ولا قدام غسيل العار!”
محمود خطى خطوتين لوسط الحوش وقاف بصوت هز الحيطان: “العرف والصعيد ما فيهومش ياما ارحميني في الشرف! بنكتفش بكلام، إحنا حقوقنا هتاخدوها داير داير قدام الكل!”
محمود حدد الشروط اللي ملهاش استئناف:
أولًا: نعمة تترمي بكتفها برا العمارة وبرا البلد كلها، وتتطلق من محمد في نفس الليلة من غير ما تاخد قشة واحدة من حقوقها، وإقرار بخط إيدها وإيد كبار عيلتها إنها فاجرة ومزورة وتلفيقية، ولو عتبت باب البلد تاني دمها هيدر وماحدش يسأل عنه.ثانياً: جوزي الخاين يطلقني طلاق بائن في التو واللحظة قدام المأذون اللي هيحضر حالاً، ويكتب تنازل رسمي عن كل ملكيته وشقته لعيالي، والقايمة والمؤخر يتدفعوا كاش على الداير، ويطرد برا البيت وميدخلش العمارة دي طول ما هو عايش.
ثالثاً: سيد بقلة البلطجي يتحبس في الغرزة تحت إيد رجالة العيلة لحد ما يتسلم للشرطة بقضية بلطجة وتلفيق وتزوير بالرسائل والفيديوهات المتفرغة عشان ياخد حكم يربيه في السجن.
محمد أخو جوزي، وقِف قدام كبار عيلته ومسك ورقة الطلاق، وطلق نعمة بالثلاثة قدام الكل ورماها على الأرض، وأهلها سحبوها برا الحوش زي الشكارة المقطوعة، مطأطئين الرأس ومش قادرين ينطقوا بحرف.
والمأذون حضر تحت ضغط السلاح والعرف، وجوزي انحنى على الطاولة ورجليه بتترعش ومضى على ورقة طلاقي وعلى التنازل عن الشقة وال حقوق، وأهلي رماوه برا البيت مكسور العين والجاه.
الليل كان بدأ يليل، وأنا كنت واقفة ورا شباك الأوضة، حاطة إيدي على قلبي، بمتزج بين حرقة الدم اللي راحت وشرفي اللي رجع قدام البلد كلها، وبين بيت اتخرب وعيال اتمسعت حياتهم بسبب الخيانة والفجر.
محمود دخل عليا الأوضة، ومسك راسي باسها وقال لي: “حقك رجع يا فوزية، وراسك ممدودة فوق السحاب، والبلد كلها عرفت مين الشريفة ومين الفاجرة.. بس النار اللي ولعت دي، لسه شرارها مخلصش!”
خمدت أصوات الميكروفونات في الشارع، وتفرق أهل البلد من أمام البوابة الحديدية وهم يتهامسون بذهول مما شهدوه وسمعوه. لكن داخل حوش بيت أبي الصعيدي، لم تكن النار قد انطفأت بعد، بل كانت تنصهر في صمت أشد خطورة من صريح الصراخ.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.