وبصوت واطي، واطي أوي، قال لنفسه بوجع وقهرة: = انتي فاكرة إنك كدا بتحميني يا حنين… فاكرة انك بتضحي عشاني… وسكت لحظة… وعينيه لمعت بغضب ووجع وحب مجنون. = بس أنا مستحيل أسيبك تمشي، ولو هحارب الدنيا كلها هرجعك. — عدّى يومين… يومين على حنين كأنهم سنتين… حنين كانت قاعدة في أوضة صغيرة في بيت عم حسن في الصعيد. البيت كان قديم… ريحة الطوب اللبن فيه… وساكت بطريقة تخوف، مفيش صوت غير صوت المراوح.
من ساعة ما وصلت وهي مش قادرة تتأقلم. كل حاجة غريبة… الناس بتبصلها كأنها بنت بندر… المكان غريب… حتى الهوا تقيل. كانت قاعدة على السرير، ضامة ركبها لصدرها، وباصّة في الموبايل بتاعها، مستنياه ينور. كل شوية تفتح الواتساب… تشوف آخر ظهور لماهر… وتقفل تاني بسرعة كأنها بتتلسع. مفيش رسالة… مفيش اتصال… مفيش حتى كلمة. ماهر ولا كأنه كان موجود في حياتها، كأنه نسيها في يومين.
قلبها كان بيتوجع… وكل شوية دمعة تنزل… لكن كانت بتقنع نفسها بوجع: أكيد نسي… أكيد ارتاح مني ومن مشاكلي، أكيد بيجهز لفرحه مع ريم. وفجأة… الموبايل نوّر في إيديها، عمل اهتزاز خلاها تتنفض. اسم ماهر ظهر على الشاشة، اسم حبيبها. قلبها خبط بعنف، بعنف لدرجة انها حست انه هيقف، إيديها بدأت ترتعش… وفتحت الرسالة بسرعة، بلهفة مجنونة. كانت صورة، صورة واحدة. فتحتها… ثواني… وبعدين عينيها وسعت بصدمة، بذهول، برعب.
كانت دعوة فرح، دعوة فرح فخمة، عليها ورد. مكتوب فيها بخط ذهبي يوجع العين: “بدعوتكم لحضور حفل زفاف المقدم ماهر فؤاد والآنسة ريم فؤاد” التاريخ… بعد أسبوعين بس، بعد 14 يوم. حنين فضلت باصّة للصورة… كأن عقلها رافض يفهم، رافض يترجم الكلام، كأنها بتحلم كابوس. همست لنفسها بصوت مخنوق: لأ… أكيد بيهزر… أكيد غلط، أكيد باعت غلط، ماهر مستحيل يعمل كدا. لكن بعدها لقت رسالة منه تحت الصورة، رسالة قصيرة، باردة، بتذبح.
“اتمنى تحضري.” الكلمة كانت باردة… وقصيرة… وقاسية… لكنها جرحتها أكتر من أي حاجة، كأنها بيقولها انسي، شوفي حياتك. الموبايل وقع من إيدها على السرير، ايديها سابت. وقلبها اتقبض بقوة، بقوة لدرجة انها حطت ايدها على صدرها من الوجع. همست بصوت مكسور، بعياط مكتوم: لا… لا يا ماهر… لا مش انت… دموعها نزلت فجأة وبعنف، انفجرت، كأنها كانت حابساها بقالها يومين.
حضنت المخدة اللي ريحتها غريبة وبدأت تعيط… العياط كان مكتوم… بتحط المخدة على بوقها عشان محدش يسمعها… لكن وجعه كبير، وجع فراق. = هو لحق يحبها بالسرعة دي…؟ لحق ينساني…؟ هو كان بيحبني ولا كان بيتسلى؟ افتكرت اليوم اللي وقف فيه قدام الكل، قدام أبوه اللي بتخاف منه، وقال بكل شجاعة الدنيا: “حنين هتبقى مراتي.” افتكرت نظرته… والصدق اللي في صوته… والعروق اللي بانت في رقبته من كتر ما هو خايف عليها.
إزاي كل دا يختفي في يومين؟ قالت وهي بتعيط بحرقة: أنا اللي رفضت… أنا اللي ضيّعته بإيدي، انا اللي قولتله زي أخويا، استاهل. دموعها كانت بتنزل بلا توقف، بلا رحمة. وفي نفس الوقت… في القاهرة… في نفس اللحظة… حكايات الكاتبة ملك إبراهيم ماهر كان قاعد في أوضة المكتب في بيته، نفس المكتب اللي اتخانق فيه مع أبوه عشانها.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.