بس أنا سكتت السنين اللي فاتت دي كلها عشان مجرحش رجولته المزيفة قدام نفسه وقدام أهله. بس الظاهر إن الأصول واللطافة مع اللي زيه بتعلم قلة الأصل وبتتفسر قلة حيلة”. حسام انهار تماماً، وبدأ يعيط بصوت عالي ومنكسر كأنه عيل صغير تايه في المولد: — “مريم.. أنا هسيبلك كل حاجة، هتنازل عن الشركة والفيلا والفلوس، بس اسحبي البلاغ ده.
. أبوس إيدك بلاش فضايح، أمي لو عرفت بالحبس هتروح فيها وتموت من قهرتها عليا!” ضحكت بمرارة وقلتله: — “أمك يا حسام كانت عارفة إنك بتخوني وبتسرقني، وكانت بتقولك (داري على شمعتك تقيد) لما كنت بتشتري لنيرمين غوايش دهب بفلوس شركتي وعرقي. العيلة دي كلها عاشت واتمرغت في خير أبويا الله يرحمه، وجه الوقت اللي كل واحد فيكم يشيل شيلته ويتحاسب على مشاريب ليلته”.
وكيل النيابة بص في الورق والمستندات بجدية، وبعدين وجه كلامه للحرس الواقفين: — “حرزوا الفلاشة دي وضموا المستندات لملف القضي..ة. وبناءً على المعطيات الجديدة وتقرير الطب الشرعي المبدئي.. يُقرر حبس المتهم حسام السعيد والمتهمة نيرمين علام أربعة أيام على ذمة التحقيق، ويراعى التجديد لهما في الميعاد القانوني. فك الكلبشات من ورا يا عسكري ولمهم على الحجز”. صوت الكلبشات الحديد وهي بتقفل على إيد حسام وإيد نيرمين كان أحسن وأجمل مزيكا سمعتها ودني في حياتي كلها.
نيرمين كانت بتجر رجليها على البلاط وهي بتعيط بحرقة وتدعي عليا بخراب المستعجل، وحسام كان بيبصلي بنظرة مكسورة وضايعة، نظرة راجل عرف وتأكد إنه خسر كل حاجة في ليلة واحدة.. الفلوس، الوجاهة، السمعة، الحرية، والست الأصيلة اللي كانت ساندة ضهره وهو فاكرها “جارية” ملهاش عازة في بيته. خرجت من مبنى النيابة في العباسية، والشمس كانت بدأت تبقى حامية في شوارع القاهرة وزحمتها. ركبت عربيتي وطلعت على طول على مقر الشركة الرئيسي في مصر الجديدة.
أول ما خطيت ب رجلي جوة الصالة، الموظفين كلهم وقفوا في سكات رهيب. الإشاعات في السوق بتجري أسرع من النار في الهشيم، وكلهم كانوا شامين خبر إن فيه مصيبة وحصلت لحسام في المطار بالليل. دخلت مكتب المدير العام، المكتب الفخم اللي حسام كان بيقعد فيه ويفرد ضهره ورا مكتبه الخشب العريض المدهون أسطر.
قعدت على الكرسي بتاعه بكل هيبة، وبصيت على السكرتيرة اللي واقفة تترعش: — “اجمعيلي كل مديري الأقسام في قاعة الاجتماعات الكبيرة كمان عشر دقائق بالظبط”. في الاجتماع، كانت الوجوه كلها قلقانة والكل عينه في الأرض. المدير المالي، مدير المبيعات، مدير المخازن.. كلهم كانوا متعودين إن حسام هو اللي سايق الليلة وهو الكل في الكل.
وقفت في رأس الترابيزة الطويلة، في نفس المكان اللي كان حسام بيحب يقعد فيه ويتمنظر قدام المستثمرين: — “صباح الخير يا جماعة. من النهاردة، الأستاذ حسام السعيد ملوش أي صلة أو صفة بشركة (الفايد للمستلزمات الطبية). الشركة رجعت لأصحابها الحقيقيين اللي بنوها عرق فوق عرق. الشغل هيمشي زي ما هو ومن غير أي تأخير، ومفيش أي حركة حسابية أو شيك أو تحويل بنكي هيتم من غير إمضائي الشخصي بالدمغة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.