كل يوم سبت، بعد ما أرجع من بيت حمايا2

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

انفلقت اللفافة، وخرجت منها رائحة عنبر محترق ورماد، لتكشف عن رقوق قديمة كُتبت بحبر قرمزي غائر. لم تكن الكلمات مجرد نصوص، بل نقوشاً هندسية متشابكة تخط مساراً ملتوياً يقود إلى قلب الصرح، وفي أسفلها رُسمت خمسة رموز: أربعة منها قد طُمست بفحم داكن، بينما ظل الرمز الخامس والأخير يتوهج بطلاء فسفوري شاحب لا ينطفئ. اقتربت ليلى خطوة إلى الأمام، وعيناها تتسعان هلعاً وذهولاً: "لقد بدأت العد العكسي.

.. الأبواب السفلية أُغلقت بالفعل، ولم يبقَ أمامنا سوى الممر الصاعد نحو المحراب الأعظم." التفت طارق نحو إدريس، ليجده يرفع عكازه الخشبي المشروخ ببطء شديد، مشيراً إلى الجدار الخلفي للقاعة، حيث انحسرت الظلال لتكشف عن بوابة حجرية عملاقة منحوتة على شكل ميزان مائل، تنضح شقوقها بهواء بارد يحمل زفير المجهول. قال الشيخ بصوت تحول من الخشونة إلى صدى عميق يتردد بين الجدران: "لقد أسقطت الحجاب الرابع بيدك يا طارق، والآن تجلس على حافة القرار النهائي.

خلف هذا الميزان تقبع المحكمة الكبرى، هناك لا تُدفع الأثمان د،،ماً ولا ذهباً، بل تُقايض الذاكرة بالنجاة. من يعبر تلك العتبة لا يعود كما كان، إما أن يخرج حاملاً الحقيقة كاملة ويدفن هذا المكان إلى الأبد، أو يتحول إلى حارس آخر يضاف إلى حراس هذه اللعنة." نظرت ليلى إلى طارق، ثم مدت يدها المرتجفة نحو خنجر فضي مثبت في حزامها، وقالت بصوت خافت لكنه حاسم: "إن كانت الخطوة القادمة هي الفاصلة، فلن أدعك تدخل وحدك لتدفع ثمن ذنب لم ترتكبه وحدك.

الطريق إلى الميزان يطلب اثنين، والشهادة لا تكتمل بفرد واحد." تبادل الاثنان نظرة اختزلت كل الأهـ،،و،،ال التي عبراها معاً، الخوف الذي تلاشى تدريجياً ليحل محله إصرار قاتم. تقدم طارق نحو البوابة ذات الميزان، ووضع كفه على الحجر البارد، فشعر باهتزازات خفيفة تسري في باطن الأرض، كأن الكيان الراقد خلف الجدار قد استيقظ لتلقي نذر النهاية.

التفت ليلى إلى جواره، ووقفا معاً أمام العتبة الأخيرة التي تفصلهما عن السر المطلق، مستعدين للمواجهة الكبرى التي لن تحتمل بعدها أي تأجيل أو نجاة منقوصة. انشقت البوابة ذات الميزان المائل بصوت هدير يشبه انهيار جبل في ليل بهيم، وانقشعت أستار العتمة عن بهو واسع لا حدود لارتفاعه، تصطف على جانبيه أعمدة بازلتية شاهقة تتلاشى قممها في ضباب أسود كثيف.

لم يكن هناك سقف يُرى، بل فراغ أزلي تسكنه أصوات همسات متداخلة بلغات لم ينطق بها بشر منذ فجر التكوين. في عمق هذا البهو، وعلى مدرج حجري صاعد، استقر عرش ضخم من العاج المعتم، لا يجلس عليه أحد، بل يعلوه ميزان ذهبي عملاق يتدلى من سديم الضباب، تتمايل كفتاه دون هواء، وتنبعث منهما نبضات ضوء فضي خافت تكشف عن هوة سحيقة تلتف حول المنصة بأكملها كفوهة بركان خمد لتوه.

تقدم طارق خطوة واحدة، فتردد صدى وقع قدمه كأنه رعد يقطع صمت الدهور. التفت إلى يمينه باحثاً عن ليلى، فرآها تسير بمحاذاته، وجهها شاحب كالثلج لكن قبضتها على الخنجر الفضي اشتدت حتى ابيضت مفاصل أصابعها. ما إن بلغا العتبة الفاصلة بين الممر وأولى درجات المدرج، حتى هوت كتلة حجرية عملاقة من الخلف، سادةً طريق الرجوع بالكامل، ليُدفن الشيخ إدريس وقاعته في ظلمات الماضي السحيق، ولا يتبقى سوى الصعود إلى قلب الحساب النهائي.

"لا مجال للتردد الآن،" قال طارق بصوت هادئ على نحو مباغت، كأنما نفضت روحه في تلك اللحظة كل ذرات الخوف والشك التي أثقلتها طوال الرحلة. ردت ليلى وهي تحدق في كفتي الميزان المتأرجحتين: "انظر إلى الكفة اليسرى، إنها تمتلئ بالرماد مع كل نفس نتنفسه... الميزان يزن أرواحنا بمقدار ما نحمله من ذكريات هذا المكان." صعدا الدرجات الحجرية ببطء.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
949مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة