كل يوم سبت، بعد ما أرجع من بيت حمايا2

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

انشقّت عتمة الممر الطويل عن رنين معدني ثقيل، خطوات منتظمة تصطد. م بالبلاط الحجري البارد، لا تتعجل ولا تتراجع، بل تتقدم بإيقاع محسوب كدقات ساعة لا ترحم. وقف طارق في مواجهة الباب المقوس ذي الألواح الخشبية المصفحة بالحديد، أنفاسه تحتبس في صدره ويداه تقبضان بقوة على المقبض النحاسي الملتف على شكل أفعى أفرغت سمّها في جدار النسيان.

كانت نبضات قلبه تدق في أذنيه كالطبول، مدركاً أن تجاوزه لهذه العتبة يضعه في قلب الحساب الذي فرّ منه طويلاً؛ مرحلة رابعة لا رجعة فيها، لكنها ترفض أن تكون نهاية المطاف. دفع الباب بكتفه فانفتح مع صرير جاف مزق سكون المكان الموحش. في الداخل، كانت القاعة الشاسعة غارقة في مزيج من رائحة الورق المحترق والرطوبة العتيقة.

لم تكن هناك نوافذ، فقط شقوق علوية ينفذ منها ضوء شاحب يلامس ذرات الغبار العالقة. في منتصف القاعة جلس الشيخ إدريس، ظهره منحنٍ فوق منضدة دائرية تراكمت فوقها الخرائط الممزقة، وأمامه مصباح زيتي ضئيل يتراقص لهيبه الضعيف على تفاصيل وجهه المحفور بالسنوات. لم يرفع الشيخ رأسه حين دوى صرير الباب، بل قال بصوت أجش كحجارة تُطحن تحت رحى قديمة: "ظننتك ستتأخر أكثر من هذا يا طارق، أو أن الشرك الثالث قد التهم ما تبقى من عزمك.

" اقترب طارق بخطوات متزنة، كل عصب في جسده مشدود كوتر كمان: "ما تركته خلفي في القاع كان ثمناً كافياً لأصل إلى هنا. الشكوك لم تعد تعنيني، ولا الأكاذيب التي نسجوها ليخفوا حقيقة العهد القديم. " رفع إدريس عينيه الغائمتين، ونظر إليه طويلاً بنظرة تمزج بين الخيبة والإشفاق. مدّ يده المرتجفة نحو لفافة جلدية مشدودة بخيط حريري أحمر، ووضعها في منتصف المسافة بينهما على الطاولة.

"أنت تقف الآن في الركن الرابع من المتاهة، وهي المحطة التي سقط فيها كل من سبقوك ليس لأنهم كانوا ضعفاء، بل لأنهم ظنوا أن المعرفة غاية بحد ذاتها. هذه اللفافة تحوي نصف الحقيقة فقط؛ النصف الذي يدينك، والنصف الذي يمنحك حق البقاء حتى اكتمال الدائرة. " مد طارق يده، لكن صوتاً خافتاً في أقصى الظلمة جعله يتجمد في مكانه. من خلف الأعمدة الرخامية المتآكلة، انسحب ظل طويل، يتبعه وقع خطوات خفيفة لا تكاد تُسمع.

كانت ليلى، ثيابها ممزقة عند الأطراف، وفي عينيها لمعان غريب لا ينتمي إلى الخوف ولا إلى الطمأنينة. توقفت على بُعد خطوات، ونظرت إلى اللفافة ثم إلى طارق وقالت بصوت متهدج: "لا تلمسها، إنها ليست وثيقة خلاص كما وعدوك، بل صك تنازل عن الخطوة القادمة. إذا كسرت الختم الآن، فستغلق البوابة الخامسة إلى الأبد ولن نخرج من هنا أبداً." تبادلت النظرات في الغرفة كشرارات قابلة للاشتعال في أي لحظة.

إدريس يبتسم ابتسامة باهتة لا توحي بخير، وليلى تقف على حافة الانهيار أو التمرد، بينما طارق يجد نفسه معلقاً بين حقيقة ناقصة تقوده إلى الأمام، وبين تحذير يهدد بنسف كل ما خاضه من أهـ،،و،،ال حتى بلغ هذا الموضع. مد يده بثبات، وتجاوزت أصابعه الخيط الأحمر لتستقر فوق الجلد البارد، مستعداً للمواجهة التي تلي هذا الختم، مدركاً أن الطريق لا يزال مفتوحاً، وأن ما ينتظرهم خلف هذا الجدار أعظم بكثير من كل ما مضى.

سكنت الغرفة تماماً حين استقرت أصابع طارق فوق الجلد البارد، ولم يعد يُسمع إلا احتكاك أنفاس ليلى المتسارعة ونفخات الريح العابثة في الشقوق العلوية. تلاشت ابتسامة إدريس الباهتة وحلّ مكانها جمود قاطع، كمن يترقب انفجاراً محتوماً، بينما أخذ لهيب المصباح الزيتي يضطرب فجأة كأن يداً خفية تعبث بفتيلته. لم يتراجع طارق؛ بل قبض على اللفافة بحركة حاسمة، ومزّق الخيط الحريري الأحمر دون تردد، تاركاً إياه يسقط على الطاولة كقطرة د،،م جافة.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
936مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة