شنطة السفر بتاعته اتفتحت ولقوا فيها باسبوره، وكمية عملات صعبة مهربة، ودفاتر شيكات مزورة. الصبح طلع ونور الفجر شق عتمة الطريق واحنا راجعين على إسكندرية. المعركة مكنتش خلصت، لسه فيه إجراءات فك الرهن عن الشقة، ومحاكمات تـ،،زوير، وقضية طـ،،لاق بالضرر هرفعها، وحماة بين الحياة والموت محتاجة رعاية... لكن وأنا باصة للبحر من شباك العربية والشمس بتبدأ تطلع، كنت عارفة إن الكابوس ده أول خطوة في تطهير حياتي كلها، وإن اللي جاي مش نهاية الحكاية، لكن بداية حساب عسير لكل واحد افتكر إن الحق والبيوت ممكن تضيع بكذبة.
مرت تلات شهور على الليلة المشؤومة في مطار برج العرب، تلات شهور كأنهم سنين من التطهير والفرز القاسي لكل ركن في حياتي. القضية اتحركت بسرعة غير مسبوقة، نيابة الأموال العامة ما سابتش ثغرة؛ شهادة منى وإقرارها المكتوب، مع تقرير خبير الخطوط اللي أثبت إن إمضائي على عقد الرهن البنكي مزورة بالكامل بأسلوب المحاكاة، نسفوا حبل النجاة اللي كان أحمد فاكر إنه هيتعلق بيه.
مدير الائتمان المتواطئ في البنك اتقبض عليه واعترف إنه أخد رشوة من أحمد عشان يمرر الأوراق بالتوكيل الملغي الصلاحية ومن غير ما يتأكد من وجودي شخصياً. صدر قرار قضائي عاجل ومسجل ببطلان الرهن الحيازي، وشطب كل القيود عن شقتي، ورجعت لي أوراق الملكية نظيفة وخالصة مية في المية، والشقة اللي حاولوا يدوسوا على عتبتها غصب بقت محروسة بقوة القانون. أما أحمد، فكانت نهايته في القفص أسرع مما تخيلت.
التهم كانت تقيلة ومفيهاش فصال: تـ،،زوير في محررات رسمية واستعمالها، خيـ،،انـ،ـه أمانة واستيلاء على أموال عامة، ومخالفة قوانين النقد بتهريب عملات أجنبية. الجلسة الأولى اتحولت لمحاكمة جنائية عاجلة، وشوفته فيها واقف في قفص الاتهام لابس البدلة البيضا، باهت، مقصوص الشعر، منكس الرأس، ومش قادر حتى يرفع عينه في وش أخته أو أمه. المحكمة أصدرت حكمها المشدد عليه بالسجن سبع سنين مع الشغل والنفاذ، وإلزامه برد كل المبالغ المختلسة والغرامة.
في نفس التوقيت، كانت دعوى الطـ،،لاق للضرر اللي رفعها أستاذ عادل بتاخد مجراها السريع، وحكمت لي المحكمة بالطـ،،لاق طلقة بائنة للضرر والجناية مع الاحتفاظ بكل حقوقي القانونية. نوال خرجت من المستشفى بعد شهر ونص من العلاج المكثف، الجلطة سابت أثر واضح على إيدها الشمال وطريقة نطقها، لكن الأثر الأكبر كان في كبريائها اللي اتنسف تماماً.
الست اللي كانت داخلة شارعي زي الطاووس بتبص لي باحتقار وفاكرة إن ابنها شاري الكون بفلوسه، رجعت واقعها الحقيقي: ست مسنة، بدون مأوى دائم، وبدون الدهب اللي طار في قمار أحمد. منى اضطرت تستأجر أوضة وصالة متواضعة في أطراف العجمي، وبقت بتشتغل ورديتين في عيادة ومعمل تحاليل عشان تقدر تصرف على علاج أمها وتدفع إيجار المكان الصغير.
وفي يوم سبت مشمس، الساعة كانت حوالي خمسة بعد الظهر، نزلت من عمارتي رايحة مكتبي، ولمحت من بعيد منى ونوال قاعدين على دكة خشب في الجنينة العامة اللي قصاد الشارع. نوال كانت ساندة راسها على عكاز خشب، وشكلها كبر عشرين سنة، هدومها متواضعة وعينيها تايهة في الرصيف. أول ما منى شافتني، قامت وقفت بارتباك شديد، ونوال رفعت راسها ببطء وبصت لي.
مكنش في عينيها ذرة من الغل القديم؛ كانت بتبص لي بنظرة مكسورة، نظرة مليانة ندم وعجز ملوش علاج. منى قربت مني كام خطوة بتردد، وقالت بصوت واطي ومحروج:«سارة... إحنا كنا في التأمين الصحي هنا قريب، وماما أصرت نقعد هنا شوية عشان... عشان لو شافتك تعتذر لك.»بصيت لنوال اللي كانت بتحاول تقوم تسند نفسها عشان تقرب، بس شاورت لها بإيدي إني مش مهتمة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.