!أول ما فتح باب الأوضة.. اتخرس. الكلمة اتجمدت في زوره، وعينيه برقت. كنت قاعدة على الكنبة، حاطة رجل على رجل، ماسكة مج النسكافيه في إيدي، ريحتي ورد بلدي، وشعري نازل على كتفي، والفستان الأحمر عامل شغل يعمي العين. كان بقاله سنين ماشافنيش ست.. كان بيشوفني شغالة بجلابية مقطوعة. خطى خطوتين لورا وهو مش مصدق، نبرة صوته اتغيرت ١٨٠ درجة، وريلته سالت وهو بيبصلي بذهول: “سـ.. سعاد؟ إيه ده؟ إنتي عملتي إيه في نفسك؟
”. ابتسمتله ابتسامة أنوثة ودلع ما شافهاش مني من يوم ما اتجوزنا، وقولتله بصوت واطي وناعم: “إيه يا حمودي؟ مش دي أوامر الحفاجة أمك؟ مش هي قالتلي اتنضفي والبيسي لجوزك بدل ما يهرب منك؟ أنا بصلح غلطتي يا حبيبي.. ومن النهارده مش هفكر في حد غيرك وغير نفسي”. أحمد نسي الجوع، ونسي الخناق، ونسي أمه، وقرب مني كأنه مسحور.
. بس قبل ما يمد إيده، الباب اتدب عليه برزع هدد العمارة كلها. حماتي فتحت الباب ودخلت زي الضبع الثائر، من غير ما تخبط، وهي بتصرخ: “إنتي يا هانم! سايبة البيت يغرق تحت ومخلية نسوان ولدك يشتموني وقاعدالي…”. الست أخرس لسانه، ووقفت مصدومة في نص الأوضة أول ما شافت منظري. شافت الكائن اللي كانت بتهينه الصبح بقى أميرة بتبرق، وأبنها الكبير واقف جنبي ماسك إيدي ومبهور بيا!
قمت ببطء شديد، مشيت بدلع، وقفت قدامها بثقة مفيهاش ذرة خوف، وقولتلها بصوت ناعم زي الحرير: “خير يا حماتي؟ في حاجة ضايقتك؟ مش إنتي اللي رميتي عليا الفستان ده الصبح قدام الناس وقفلتي عليا وقلتيلي انضفي والبسيه لجوزك عشان يفتح نفسه؟ أنا عملت بنيتك بالضبط! استحميت، وتنضفت، ولبست، وقعدت أستنى جوزي.. ولا إنتي عاوزاني أكسر كلامك وأرجع للزفر والبصل اللي كان سادد نفسك؟
”. حماتي بصتلي بذهول وشفايفها بيمــ,,ـــــوت فيها الكلام.. بصت لأحمد مستنية يزعقلي أو يضــ,,ـــــربني، بس أحمد بص لأمه وقالها بنبرة حسم لأول مرة في حياته: “خلاص يا أمي.. سعاد عندها حق، إنتي اللي طلبتي منها تهتم بيا. ونسوان إخواتي خليهم ينزلوا يخدموا البيت شوية، هي سعاد مش خدامة أبينين اللي جابوهم!”. خرجت حماتي من الشقة وهي بتطوح، ورجليها مش شايلاني من الصدمة، وعرفت إن العصر الذهبي للخدمة ببلاش انتهى، وإن البيت كله من الليلة دي.
. هيدفع تمن كل لحظة قهر عشتها! رزعة الباب ورا حماتي كانت زي إعلان استقلال شقتي. أحمد كان واقف يبصلي وكأنه بيشوف واحدة تانية خالص، مش سعاد اللي كانت بتصحى من الفجر تمسح السلالم وتغرق في دموعها وخدمتها. قرب مني وهو بينهج، نسي الجوع ونسي الخناقة اللي شعللت تحت، ويمد إيده عشان يمسكني.. بس أنا حطيت إيدي على صدـ,,ـــره بهدوء ووقفته، وبصيت في عينيه بثبات: “لأ يا أحمد.
. مش بالسهولة دي. أنا بقالي عشر سنين بنسحق وبتهان عشان أمتّع عينك وأخدم عيلتك، والنتيجة إنكم كلكم رميتوني بالجزمة. من النهاردة، اللي عايز سعاد تشوفه راجل، لازم هو الأول يعاملها كست.. مش كخدّامة ببلاش!”. الليل داك كله كان جهنم حمرا تحت في الصالة. صوت الزعيق كان واصل للسطوح. ولاء وشيماء قفلوا على نفسهم الشقق بالضبة والمفتاح ورفضوا ينزلوا يحطوا إيدهم في المواعين.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.