كان إنسان تاني خالص.. خاسس نص وزنه، دقنه طويلة ومطفية، هدومه دبلانة، وعينيه غرقانة دموع. أبوي وقف بثبات وقال له: “خير يا فلان؟ الرؤية مش النهاردة، الرؤية يوم الجمعة في مركز الشباب زي ما القاضي حكم.” جوزي نزل على ركبه قدام أبوي في الصالة، نزل على الأرض ودموعه نازلة على التراب، ومسك جزمة أبوي وهو بيبكي بصوت يقطع القلب: “يا حاج.
. برضا الله عليك سامحني! أبوس إيدك ورجلك ارضى عني وسامحني! أنا اتدمرت يا حاج، ربنا أخد لي حق شيماء وحقك مني ومن أمي في الدنيا قبل الآخرة! أمي مشلولة في السر,,ـــــير وبتبكي دم، وأنا بقيت بكنس وأمسح وبخدم ورجلي مش شايالاني من الندم والهم! أنا عايش في جحيم يا حاج!” أبوي اتراجع خطوة لورا بصدمة، وأمي طلعت من المطبخ وهي ماسكة حمزة، وأنا طلعت وقفت جنب باب الأوضة، حاطة الشال على رأسي وببص له.
جوزي لما شافني، زحف على ركبه ناحيتي وهو بيصرخ ويبكي: “شيماء! حقي عليا يا شيماء! اضــ,,ـــــربيني، اطرديني، اعملي فيا اللي أنتِ عايزاه بس سامحيني! أنا ندمان على كل لحظة زعلتك فيها، ندمان على كل كلمة أمي قالتها وأنا سكت، ندمان على الساعة اللي سبتك تمشي فيها وأنتِ بتنزفي! وحياة ابننا حمزة اللي من دمي ودمك، اديني فرصة أكون خدام تحت رجليكي أنتِ وابنك، أنا مستعد أسيب القاهرة وأجي أعيش هنا في الصعيد اشتغل في الفلاحة وأقعد تحت رجليكي بس ما تحرمينيش منكم!
” بصيت له ودموع الندم مغرقة وشو، وشفته بيتقلب في النــ,,ـــــار اللي صنعها بأيده. الندم كان باين في كل عرق في وشو، وفي تراب الأرض اللي كان بيلثم بيه إيد أبوي. أبوي بص لي وقال لي بصوت هادي: “القرار قرارك يا بتي.. ربنا بيسامح، بس القلوب اللي انكسرت أنتِ الوحيدة اللي عارفة دواها.” قربت خطوات هادية، حمزة كان ماسك في طرف جلابيتي وبيطلع رأس الصغير يبص لأبوه الخاضع على الأرض.
جوزي مد إيده بترعش عشان يلمس رجل الولد، والولد خاف ورجع استخبى ورايا. بصيت لجوزي وقلت له بقلب وجيع بس صلب زي الجرانيت: “شفت الوجع يا فلان؟ شفت لما الشغل والنظافة والتراب يهد الحيل وأنت مش قادر تقف؟ أنت بتدوق دلوقتي قطرة واحدة من البحر اللي شربتهوني وأنا لسه مفتوحة ومربوطة بالشال في قطار الصعيد!
أمك ربنا يشفيها ويسامحها على اللي عملته فيا وفي أهلي، بس أنا…” جوزي بصلي بلهفة وأمل متوسل: “أنتِ إيه يا شيماء؟ قلبي هيقف من الخوف، قولي إنك هتسامحيني وهنرجع!” رفعت رأسي ودموعي نازلة بس نبرتي كانت أصلب من الزمان، وبصيت في عينيه المتوسلة وقُلت له: “أنا سامحتك لله يا فلان.. سامحتك عشان أطهر قلبي من المرار والغل، وعشان لما أبص لوجه ابني أكون صافية ونظيفة، وعشان ربنا يبارك لي في صحتي وفي عمري.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.