. كان في حاجة تانية ابتدت تتولد، حاجة شبه الرماد اللي تحته نــ,,ـــــار مكتومة. لما الإنسان يوصل للقاع تماماً وميبقاش خايف من خسارة أي حاجة تانية.. ساعتها بس، بيستوعب إن النجاة مش هتجيله من باب حد تاني، يا إما هيدوس على خوفه ويخرج نفسه بنفسه، يا إما هيمــ,,ـــــوت في مكانه بالبطيء. مسحت الدموع اللي مغرقة وشي بقسوة، وغمضت عيني لحظة وسط صوت ضحكهم المالي الصالة.
الخوف اللي كان مشلّل حركتي بدأ يتحول لشيء تاني خالص.. شيء أشبه ببرود المــ,,ـــــوت. لما تفقد كل حاجة، حتى حقك في البكاء، ما بيبقاش عندك حاجة تخاف عليها. طلعت من المطبخ وأنا شايلة الصينية، حطيتها قدامهم على الترابيزة من غير ما أرفع عيني. هو بصلّي بغرور، وحط رجله على الترابيزة وقال بسخرية: “أهو كده.. تتعلمي الأدب وتعرفي إنك هنا للخدمة وبس، عشان لو فكرتي تاني تطولي لسانك، المرة الجاية مش هكتفي بالقلم.
. هخليها تدوس على وشك بالجزمة”.هي ضحكت بصوت عالٍ ومطت شفايفها بانتصار، وقالتله وهي بتمسك إيده: “سيبك منها يا حبيبي، دي خلاص عرفت حجمها صح.. قوم وريني الأوضة اللي هنام فيها”. سحبها من إيدها ودخل بيها على أوضتي.. أوضتي اللي شهدت على كل ليلة اتظلــ,,ـــــمت فيها، باب الأوضة اتسد في وشي بصوت حاد، وسابوني واقفة في الصالة لوحدي في الضلمة.
اللحظة دي بالذات كانت هي النقطة اللي اتكسر فيها آخر خيط بيني وبين الخوف. بصيت للباب المقفول، وبعدها بصيت لباب الشقة. افتكرت أمي وتهديدها.. افتكرت جوزي وضــ,,ـــــربُه.. افتكرت نبرة العشيقة وهي بتقولي “مالكيش أهل”. وعرفت إن القفص اللي أنا عايشة فيه، أنا اللي كنت قافلة على نفسي جواه بخوفي. أمي مش حمايتي، وجوزي مش أماني، والبيت ده ما بقاش بيتي.
. بس الدنيا بره أكبر بكثير من السجــ,,ـــــن ده. رجعت للمطبخ والدم بيغلي في عروقي، بس المرة دي ما كانش خوف.. كان غضب ساطع عَمَى عيني عن أي عواقب. استوعبت إن الهروب مش هو الحل، وإن سكوتي كل السنين دي هو اللي وصلهم لقمة الفجر ده. مسحت وِشي بقسوة، وطلعت تلفوني من جيبي بالراحة وأنا إيدي بتتنفض، بس مش من الرعب.
. من قهر مظلوم قرر يأخد حقه بيده. فتحت الكاميرا وشغلت فيديو. مشيت بخطوات ناعمة لحد باب الأوضة الموارب، ورفعت الموبايل وبدأت أصور.. وثّقت كل حاجة، دخلتهم سوا، قعدة الست على السر,,ـــــير بقميص النوم، وجوزي جنبها في وضع متلبس تماماً لا يقبل الشك ولا الإنكار. في اللحظة دي، حطيت الموبايل في جيبي، وفتحت باب الأوضة على آخره ورزعته في الحيطة بكل قوتي.
وقبل ما يستوعبوا الصدمة، فتحت حنجرتي على آخرها وبدأت أصرخ بصوت زلزل العمارة كلها: ـ “الحقوووني يا ناس! الحقوني جايبلي واحدة فاجرة في بيتي وعلى سرييييري! تعالوا شوفوا الفجر والفضايح! الحقوووني يا أستاذ فلان ويا مدام فلانة!” جوزي اتنفض من مكانه زي الملسوع، وشه اتخطف وبقى أصفر زي الليمونة، والست اللي معاه صرخت ولمّت هدومها عليه في رعب وهي بتتدارى وراه. هجم عليا وهو بيترعش من القلق عشان يقفل بوقي: “اسكتي يا مجنونة!
يخرب بيتك هتفضحينا!” زقيته بأقوى ما عندي وصرخت أكتر، وخرجت أجرّي على باب الشقة وفتحته على آخره ووقفت في الطرقة أصرخ وألطم، وفي ثواني كانت العمارة كلها طالعة تجري على الصوت.. الجيران من كل الدور طلعوا، والبواب ومراته جوم يجروا. الناس لما شافوا منظره وهو طالع ورايا بيحاول يمسكني والست جوه في الأوضة بتتدارى، الحقيقة وضحت قدامهم زي الشمس.
الجيران اتلموا وحاوطوه وهو واقف مش عارف يودي وشه فين، الهيبة والجبن اللي كان بيتستر وراهم قدامي اتنسحوا تماماً، وبقى واقف وسطهم قزم ومكسور العين. مسكت تلفوني بثبات، ورفعت صوتي قدام كل الجيران اللي واقفين يشهدوا: ـ “أنا بلغت نجدة الشرطة وشرطة الآداب! والتلفون ده عليه تصوير متلبس بالصوت والصورة، ومحدش منكم هيتحرك من هنا إلا لما البوليس يجي ويشيلكم أنتو الاثنين في بكس واحد!”
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.