“ازيك يا ياسر.. عملتلك شوية شوربة دافيين يرموا عضمك، كُل يا خويا متعملش في روحك كده.” ياسر حرك راسه ببطء شديد، وعينه جازت عليا. لأول مرة من يوم الكارثة، شفت في عينه لمعة وعي، وكأن الروح ردت فيه تاني، بس ردت ومعاها وجع يهد جبال. اتنفس بكسرة، وصوته طلع بحشرجة طالعة من قعر صدره: “أختك كلت شقايا وطردتني يا نورا… كلت كل حاجة ورمتني للكلاب!
” دموعه نزلت سخنة على خدوده المرهقة، وأنا قلبي كان بيتقطع عليه. مسحت دموعي وقلت له: “حقك عليا يا ياسر، بس خلي إيمانك ربنا كبير، ربنا مابيرضاش بالظلم أبداً، واللي ليك هيجيلك لحد عندك.” الكلمات مكانتش بتخفف عنه كتير، بس الموقف اتغير تماماً بعد كام يوم. ونورا ونادية قاعدين بيتفكروا، افتكرت نادية إنها عندها أكونت قديم لأخته “أميرة” على فيسبوك كانت كاتبة فيه رسالة من سنتين.
فضلنا ندور على الأكونت لحد ما لقيناه، وبعتنا لها رسالة صريحة فيها كل اللي حصل لياسر ومكانه ورقم تليفون جديد جبناله خط عشان يبدأ يتواصل بيه. أميرة لما شافت الرسالة وعرفت اللي جرى لأخوها الوحيد، التليفون ما بطلش رن! اتصلت بيا وهي بتصرخ وتبكي مش مصدقة إن أخوها المهندس سندها وبطلها بقى في الشارع.
على طول طلبت تكلمه، ولما سمعت صوته المكسور وقفت جنبه بكل قوتها. أميرة مكانتش مقصرة، جوزها هناك ظروفه كويسة جداً، وفي ظرف 48 ساعة كانت بعتت لياسر مبلغ محترم يفك زنقته ويكون بداية لشغل جديد. المبلغ كان كفيل إنه ينقله من أوضة السطوح لشقة صغيرة مفروشة بكرامته، ويشتري تليفون كويس ولابس نضيف.
ياسر حس إن روح جديدة اتدبت فيه، الوجع والكسرة اتتحولوا لإصرار وحافز جبار إنه يقف على رجليه تاني ويمحي لحظة الضعف ديه من حياته. قرر ياسر يرجع لمجاله اللي بيحبه وبيفهم فيه؛ هندسة وصيانة الأجهزة والمعدات. أجر ورشة صغيرة في منطقة حيوية، وبفضل خبرته القديمة وشطارته وأمانته اللي الناس كانت عارفة بيها، الشغل بدأ يكتر عليه يوم عن يوم.
المبلغ اللي بعتته أخته استخدمه بذكاء، جاب معدات حديثة، وبقى يستورد قطع غيار وبدأ اسمه يسمع من جديد. في خلال سنة واحدة، الورشة الصبورة بقت مركز صيانة كبير، وبقى عنده موظفين ومهندسين شغالين تحت إيده! في الفترة ديه كلها، نورا كانت هي الإنسانية والسند الحقيقي اللي واقف جنبه. كانت بتطمن عليه، تبعتله أكل، وتسأل عليه في مرضه قبل تعبه، من غير ما تستنى منه أي حاجة، فقط بدافع الضمير والواجب وإنسانيتها.
ياسر كان شايف في نورا كل حاجة افتقدها في اختها هدى؛ الشرف، الحنية، الأصل الطيب، والست اللي تقف جنب راجلها في الشدة قبل الرخاء. في يوم، بعد ما ياسر بقى معاه عربية جديدة وربنا فتحها عليه من وسع، عزِم نورا ونادية في مكان راقي عشان يشكرهم. وفي وسط القعدة، ياسر بص لنورا بثبات وعين مليانة احترام وامتنان، وطلع من جيبه علبة صغيرة فيها خاتم قيمة.
بص لنورا وقال بصوت هادي ومخلص: “يا نورا.. أنتي شفتيني وأنا في قاع الأرض، وما اتخليتيش عليا وأنا ماليش قيمة ولا مأوى. هدى أختك خدت مني دنيتي ودمرتني، بس أنتي رجعتيلي روحي وأثبتيلي إن الدنيا لسه فيها خير. أنا مش طالب منك ترديلي جواب دلوقتي، بس أنا محتاج إنسانة بأصلك ونقائك تفضل معايا طول العمر.
. تقبلي تتجوزيني وتكوني مراتي وسندي وأنا أكون أب لعياكِ؟” نورا بصلته بصدمة وذهول، وعينيها اتملت بالدموع وهي مش مصدقة النقطة اللي وصلوا ليها بعد كل الليل الكحلي اللي عاشوه.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.