المكان كان موحش، وكشافات النور بتتحرك على السور زي عيون ذئاب. ياسين قال لنور بلهجة تحذير: “نور، الدخول هنا مش سهل. المصحة دي تبع (ثريا هانم) بشكل غير رسمي.. الحراس مش هيسمحوا لنا نعدي بالذوق.” نور بصتله بتحدي: “أنا مبعرفش الذوق مع اللي معندهمش رحمة. خليك أنت هنا مع رجالتك، وأنا هدخل بصفتي (الوصية القانونية) على أملاك الأنصاري.
. يعني أنا دلوقتي صاحبة المكان ده فعلياً.” دخلت نور بثبات، وبالفعل، أوراق الوصية خلت الحراس يترددوا. وصلت لمكتب المدير، وبضـ,ـربة كف على مكتبه قالت بحدة: “المريضة اللي في الغرفة ٤٠٢.. (ليلى).. تخرج فوراً تحت مسؤوليتي، وإلا المباحث هتكون هنا خلال ٥ دقائق بتهمة الحجز القسري.” المدير وشه جاب ألوان، وبدأ يتلعثم: “يا مدام نور.
. الحاجة ثريا منبهة إن ليلى حالتها خطرة وممنوع الزيارة..” نور قاطعته: “الحاجة ثريا دلوقتي في النيابة بتتحقق معاها في تهمة شروع في ل.. تحب تحصلها؟” في دقايق، كانت نور ماشية في طرقة المستشفى الضيقة، ريحة المطهرات بتخنق الأنفاس. اتفتح باب الغرفة ٤٠٢.. لقت بنت قاعدة في الركن، ضامة رجليها لصدفها، وشعرها طويل ومبهدل. أول ما البنت رفعت راسها، نور اتسمرت مكانها. العيون العسلية.. نفس رسمة العيون اللي في “تاليا”.
ليلى بصوت ضعيف ومرعوش: “هشام؟ هشام جه ياخدني؟” نور نزلت لمستواها ودموعها غلبتها: “لا يا ليلى.. أنا نور. أنا جيت أخرجك من هنا.. جيت أرجعلك حقك.” ليلى أول ما سمعت اسم “نور”، ملامحها اتغيرت وبدأت تصرخ بهستيريا: “انجري يا نور! هيم. وتوكي زي ما م. وتوا ابني! ثريا أخدت ابني وقالتلي إنه مات.. بس أنا سمعت صوته.. سمعت صوته وهو بيعيط ورا الحيطة!
” الكلمة نزلت على نور كأنها صاعقة. “ابن؟ ليلى كان عندها ابن؟” ياسين دخل الغرفة بسرعة على صوت الصراخ، وبص لنور وقالها: “لازم نمشي فوراً.. فيه حرس تبع ثريا وصلوا البوابة، والظاهر إن الأوامر جاتلهم بتصفية أي حد في الغرفة دي!” **بدأ السباق مع الزمن..** ياسين سحب ليلى، ونور كانت بتجري وراهم في طرقات المصحة اللي فجأة اتحولت لمتاهة.
النور انقطع عن المبنى، وصوت ضـ,ـرب نـ,ـار بدأ يسمع من بعيد. ياسين همس لنور: “اطلعي من باب الطوارئ اللي ورا المطبخ.. عربيتي هناك. أنا هعطلهم هنا.” نور أخدت ليلى اللي كانت بتترعش، وجريوا في الضلمة. وهما في المطبخ، ليلى وقفت فجأة وشاورت على باب حديد مقفول بـ “جنزير” وقالت بصرخة مكتومة: “هنا! ابني هنا!” نور بصت للباب.. كان مكتوب عليه “مخزن الأدوية – ممنوع الدخول”. بس كان فيه صوت عياط طفل مكتوم فعلاً جاي من جوه.
نور مكنتش قادرة تمشي وتسيب الطفل، جابت ساطور من المطبخ وبدأت تضـ,ـرب في الجنزير بكل قوتها وهي بتصرخ: “مش هسيب حد ورايا يا ولاد الكلب!” الجنزير اتقطع، والباب اتفتح.. والصدمة كانت أكبر من طاقة البشر. جوه الأوضة، مكنش فيه طفل واحد.. كان فيه سرير صغير، وفيه طفل شبه “سيف” بالملي، بس وشه شاحب وجسمه ضعيف جداً. ليلى اترمت عليه وهي بتعيط: “حمزة! ابني حمزة!” نور اتجمدت: “حمزة؟ أنتي مسمياه حمزة؟” في اللحظة دي، النور رجع.
. ولقوا قدامهم “ثريا هانم” واقفة، وبإيدها مسدس، ووشها مشوه من الغضب: “كنتي فاكرة إنك كسبتي يا نور؟ العيلة دي سرها هيدفـ,ـن معاكم هنا. ليلى ولدت توأم.. واحد أخدته ورميته قدام جامع عشان يتربى بعيد، والتاني فضل هنا عشان يكسر قلبها كل يوم.” نور بصت لثريا بعيون مليانة نار: “التوأم اللي رميتيه قدام الجامع.. هو حمزة ابني يا ثريا..
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.