كانت ملامحه تختزل كل صور الانكسار والمهانة؛ الفتى الذي كان بالأمس يتطاول ويتبجح بإتيكيت عائلته الموهوم، يقف اليوم مسلوب الإرادة، يساوم على أنفاس أبيه بثمن غروره ورعايته الزائفة. رفع عينيه الممتلئتين بالدموع، وصوته يخرج بحشرجة مكتومة: – “التنازل عن كل حاجة يا نورهان؟ عايزة تجرديني من كل حيلة وتخرجيني ملط في الشارع؟” اقتربت منه خطوة واحدة، ونظرت في عينيه بجمود أصلب من الفولاذ: – “أنا ما جردتكش من حاجة يا طارق.
. إنت اللي بعت كل حاجة يوم ما وطيّت راسك لقلة أدب مراتك، ويوم ما استخصرت فيا طبق فراخ بلدي يفكرني بأبويا، ويوم ما سرقت حق عرق أبويا وجريت تسجل أرباحي مصاريف وهمية. الشيك ده إنقاذ لحياة أبوك اللي طمعك وطمع مراتك كان هي. وه.. قدامك دقيقة واحدة: تقبل وتوقع التنازل الفوري قدام المحامي اللي واقف ورايا، يا ترجع تنازع على المليم وتتحمل نتيجة طمعك!
” التفت طارق ليجد الأستاذ فتحي يتقدم وبيده عقد التنازل النهائي المجهز مسبقًا، وبجانبه موثق من الشهر العقاري كان يتتبع خطواتنا لحسم الأمور. نظر طارق إلى باب غرفة العناية المركزة، حيث وصايا الأطباء بالسرعة تلاحقه، ثم التفت إليّ وهو يبكي بحــ,,ـــــرقة وذل لم أرهما في حياتي. أخذ القلم بيد ترتعش، ووقّع على جميع الأوراق، بائعًا ما تبقى له من حصة في العمارة والشقة لينهي وجوده تمامًا في أملاك العائلة التي طالما تباهى بها.
سحبت العقود الموقعة، وأعطيت الشيك للمستشفى مباشرة لتأمين عملية الحاج عبد الجواد. وفيما كان الأطباء ينقلون والده لغرفة العمليات، وقفت أمامه أضع النقط فوق الحروف: – “أبوك يخرج بالسلامة، وياخدك إنت وأختك ومريم ومرتك اللي طردتها وتروحوا تدوروا لكم على مكان ينفعكم.. أمامكم 48 ساعة فقط لإخلاء الشقة بالكامل، ولو لمحت حتة قماش تخصني اتلمست، البلاغ الجنائي بتبديد الأموال هيتحرك فورًا للنيابة.” تركته ملقى على الأرض في حسرته، وتوجهت فورًا إلى العمارة.
كانت شيرين قد عادت برفقة شقيقها ووالدتها محاولين اقتحام الشقة بالقوة لأخذ أمتعتها وثيابها، يصرخون في الصالة ويشتمون، ومريم تبكي في الزاوية تت حسر على مستقبلها المهدم. لكن المفاجأة كانت بانتظارهم؛ عندما قدمت ومعي قوة تنفيذية ورجال حراسة تابعين للشركة الاستثمارية. صرخ شقيق شيرين بقلة أدب: “إنتِ فاكرة نفسك مين يا ست إنتِ؟ الشقة دي شقة أختنا وجوزها، وأي حاجة هنا تلزمنا!
” تقدمت الأستاذة إلهام، المحامية الثانية فيفريقي، ورفعت في وجهه القرار القضائي الرسمي بالطرد والتحفظ: – “أستاذ.. أي اعتــ,,ـــــدا أو إتلاف للمحتويات هيعتبر إتلافًا عمديًا لأملاك شركة مساهمة، والست شيرين ملهاش أي صفة هنا بعد تنازل زوجها رسميًا عن كامل الحصة اليوم وتطليقها شفاهة وأمام شهود أمس!” شحبت ملامح شيرين، وصرخت بذهول: “طردني؟! طارق تنازل وطردني؟!” رددت عليها بابتسامة نصر هادئة: – “طردك وربط رقبتك بالتنازل عشان ينقذ أبوه من المستشفى اللي إنتِ وياه وصلتوه ليها.
يلا يا شيرين.. لمي بلاويكِ وإتيكيتك في شنطة واحدة واطلعي بره أرض أبويا، عشان الزبالة اللي رميتي فيها أكلي بالأمس، أصلها مكان لكل واحد يتطاول على سياده!” انهارت شيرين في البكاء وهي تلملم أغراضها الشخصية وسط نظرات الجيران الذين تجمعوا في السلم يرقبون طرد “الهوانم” اللاتي طالما تعالتن عليهم. وخرجت مريم تتجرجر خلفها، تسحب حقائبها بكسرة خيبة لا توصف، بعد أن فقدت الخطيب، والبيت، والعز المزيف.
جلست في منتصف الصالة الفارغة، تنفست الحرية لأول مرة منذ خمس سنوات. البيت أصبح ملكي بالكامل، والحق عاد لأصحابه. لكن لم تكن هذه هي النهاية.. فتحت هاتفي وأرسلت رسالة أخيره لطارق أبلغ فيها بموعد الجلسة الأخيرة للإشهار الرسمي للطلاق والتعويض المالي، وأنا أعلم أن مفاجأة اليوم التالي ستدمر ما تبقى من حصونه تمامًا! في صباح اليوم التالي، جلستُ في قاعة محكمة الأسرة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.