بنتي كانت ماليه 3 عربيات4

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

في تلك اللحظة، وفي تمام الساعة العاشرة صباحاً، كانت سيارة المحضر، يرافقها عماد واثنان من رجال تنفيذ الأحكام، تقف أمام بوابة الدور الأرضي بمدينة نصر. الشارع كان يراقب في صمت. داليا وشريف كانا يقفان على العتبة الخارجية، وإلى جوارهما ثلاث حقائب سفر كبيرة متهالكة، فيها ما استطاعا جمعه من ملابسهما الشخصية.

كانت داليا ترتدي عباءة سوداء بسيطة، وشعرها مشعث وجهها شاحب كالموتى، بينما كان شريف يمسك بيده حبل الكلب “ديجو”، وعيناه غائرتان لا تنظران إلى أحد. وقف المحضر وأخرج دفتره الرسمي: — الأستاذة داليا حسن والأستاذ شريف الشناوي.. تم تسليم مفاتيح العقار بالكامل للأستاذ عماد، الوكيل القانوني عن الأستاذة سعاد عبد الحميد، بعد إثبات حالة المكان والتحفظ على المنقولات مقابل الديون والفواتير المتأخرة والمثبتة قانونياً. اتفضلوا وقّعوا هنا بالاستلام والإخلاء.

وقعت داليا بكتفين مائلين وإيد ترتجف، ولم تنطق بحرف. شريف نظر لعماد بنبرة رجاء أصلها الذل: — يا أستاذ عماد.. أرجوك.. قول لطنط سعاد تدينا مهلة بس أسبوع نلاقي حتة نقعد فيها. إحنا رايحين عند أختي في شقة أوضتين وصالة، مش هتعرف تشيلنا بالكلب ومصاريفنا! أنا معاييش حتى تمن التاكسي اللي ينقل الحقائب دي!

عماد أخذ المفاتيح ووضعها في جيبه، وبص لشريف بثبات ونبرة خالية من أي انفعال: — الأستاذة سعاد سابت لك الميزانية اللي إنت فشلت فيها يا شريف.. عشان تتعلم إن اللي ما بيعرفش يحسب حساباته مع ربنا ومع الناس، الأرقام بتكسره في الآخر. والأستاذة سعاد بعتت معاكم المبلغ ده.. أخرج عماد غلافاً أبيض صغيراً ومد يده به لداليا. فتحت داليا الغلاف بلهفة، فوجدت فيه ألفي جنيه..

ومعها الورقة البيضاء الصغار ذاتها، الدقيقة، التي طالما كتبت عليها بخطي اليدوي: “دول تمن التاكسي وتمن علبة الشاي باليانسون اللي ما لحقتش أشربها في السوبر ماركت.. البيت ده أنا قفلته بفلوسي وصحتي اللي ضاعوا، والباب اللي قفلتوه في وشي، ربنا فتحه لي في كبري. ما تفتكروش إني انتقمت.. أنا بس سبتكم تدفعوا تمن أفعالكم.” داليا سقطت على ركبتيها على الرصيف، وضمت الورقة لصدرها وبكت بصوت هز الشارع كله..

صوت ندم مأساوي لا ينفع فيه بكاء ولا اعتذار. عرفت في تلك اللحظة أن الفقد الحقيقي ليس فقدان المال ولا البيت ولا السيارة.. الفقد الحقيقي هو أن تخسر أمك التي كانت سترك وسندك، وتكتشف أنك كنت السبب في طرد نفسك من جنتها. شريف حمل الحقائب بقلة حيلة، وجر خطواته وهو يحمل خيبته وطرديته من عمله، وداليا تسير خلفه تجر قدميها والكلب يتعثر في حبلها، يبتعدون في الشارع تحت أنظار الجيران، نحو حياة جديدة ملؤها الضياع والديون والمواجهة الحقيقية مع الحياة بدون “سعاد”.

في شقة الزمالك، أغلق عماد الباب ودخل مبتسماً، وضع المفاتيح على الطاولة أمامي: — تم الإخلاء بالكامل يا طنط سعاد.. والدور الأرضي تم تأجيره رسمياً ابتداءً من الشهر القادم لأكاديمية تعليمية بـ 30 ألف جنيه شهرياً. نظرت للمفاتيح، ثم رفعت عيني لنظارتي القراءة ومحفظتي الحمراء. تنهدت نفساً عميقاً، صافياً، خالياً من أي كره أو مرارة.

حملت حقيبتي الصغيرة، ونظرت لعماد بابتسامة مشرقة: — يلا بينا يا عماد.. القطار بتاع أسوان فاضل عليه ساعة، وأنا تأخرت أربع سنين كاملة على الرحلة دي. خرجت من الشقة، والباب الأوتوماتيكي للحياة الجديدة ينفتح أمامي.. خفيفة، عزيزة، وحرة. تابع المقال

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
936مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة