جلسْتُ في أريكةِ الصالةِ المريحة، والمزيكا العاليةُ التي شَغَّلَتها زوجتي الثانية «جيهان» تَمْلَأُ أرجاءَ الشقة. كانتْ ترقصُ بخفةٍ وتضحكُ بانتصار، بينما صوتُ الطرقاتِ الخافتةِ والبكاءِ المكتومِ خلفَ البابِ المغلقِ يَتَلاشَى تدريجياً، حتى انقطعَ تماماً. سادَ الصمتُ في الممرّ الفاصلِ بين شقتي وبين السلم، وعرفتُ أن «فاطمة» أخذتْ الولدين ورحلتْ في ظلامِ ليلةِ عيدِ الأضحى. في تلك الليلة، لم أستطعِ النوم.
كانت جيهان غارقةً في نومٍ عميق، تُحيطُ بها أحلامُ التملكِ والسيطرة، أما أنا فكنتُ أتأملُ سقفَ الغرفة. هذا السقفُ بالذات، أتذكرُ اليومَ الذي وقفتُ فيه مع فاطمة، وكانتْ جدرانُ الشقةِ مجردَ قالبٍ من الطوبِ الأحمرِ العاري، والهواءُ الباردُ يلفحُ أجسادنا. أتذكرُ كيف ابتسمتْ يومها وقالت لي وهي تمسحُ غبارَ الإسمنتِ عن وجهي: «غداً سنفرشها بالحب يا محمود، المهم أن نكون معاً». مرّتْ أيامُ العيدِ ثقيلةً كالجبال، رغم كل محاولاتِ جيهان لتصويرِ السعادة.
كانت تتنقلُ بين الغرفِ كأنها ملكةٌ تُعاينُ ممتلكاتها الجديدة، تُغيّرُ قطعَ الأثاثِ التي اختارتها فاطمة بعناية، وتلقي بالباقي في القمامة. وكلما حاولتُ أن أفتحَ فمي لأعترض، كانت تبتسمُ تلك الابتسامةَ الساحرة، وتهمسُ في أذني: «أنت رجلٌ أعدتُ لك شبابَك، فلا تحزن على ماضٍ كان يُشبهُ الفقر». بعد انقضاءِ إجازةِ العيد، بدأتُ أشعرُ بثقلِ الغياب.
البيتُ الذي كان يمتلئُ برائحةِ كعكِ العيدِ وصوتِ ضحكاتِ الأبناءِ وتكبيراتِهم، أصبحَ بارداً وجافاً، لا يُسمعُ فيه سوى طلباتِ جيهان التي لا تنتهي: أموالٌ للملابس، أموالٌ للرحلات، وعقودٌ جديدةٌ لتسجيلِ سيارتي أيضاً باسمها كـ «ضمانٍ لمستقبلها». في صباح اليوم الخامس بعد العيد، قررتُ أن أذهبَ سراً إلى الحيّ النائي على أطرافِ المدينة، حيثُ الشقةُ الصغيرةُ المكونةُ من غرفةٍ وصالة والتي استأجرتُها لـ «فاطمة» وأولادي.
كنتُ أُممني نفسي بأني سأشاهدُهم من بعيد، أو ربما أتركُ لهم بعضَ المالِ والمؤن. وصلتُ إلى البنايةِ المتهالكة. كانت جدرانُها مقشرة، والدرجُ يفوحُ برائحةِ الرطوبةِ والإهمال. صعدتُ خطواتي بثقل، وعندما وصلتُ إلى البابِ الخشبيّ المتآكل، سمعتُ صوتَ طفلي الصغير «أحمد» وهو يبكي ويقول: «يا أمي، لا أريدُ أن آكلَ الفولَ مجدداً، أين لحمُ العيد الذي وعدتنا به؟».
وجاءه صوتُ فاطمة، كان صوتاً هادئاً، لكنه يحملُ حشرجةً تَعتصرُ القلب: «اصبر يا حبيبي، العيدُ الحقيقي هو أننا معاً، وأننا لم نأكلْ حراماً، ولا ظلــ,,ـــــمنا أحداً. غداً سأبدأُ العمل، وسأشتري لك كل ما تتمنى». وقفتُ خلفَ البابِ مسماراً في مكاني. كانت كلماتها كالرصاصاتِ التي تخرقُ صدـ,,ـــري. لم تشتكِ، لم تلعنّي، ولم تسبّ جيهان؛ بل كانت تُربّي أبنائي على الرضا والصبر.
أخرجتُ ظرفاً كبيراً أودعتُ فيه مبلغاً مالياً ضخماً، ودسستُه من تحتِ الباب، ثم قرعتُ البابَ قرعةً واحدةً وفررتُ هرباً قبل أن تراني. لكن المهربَ لم يكنْ آمناً. حين عدتُ إلى الشقةِ الكبيرة، كانت جيهان تُفتشُ في أوراقي الخاصة. وجدتْ إيصالَ التحويلِ المالي وتفاصيلَ الشقةِ المستأجرة. ما إن دخلتُ حتى استقبلتني ببركانٍ من الغضبِ والسباب: * «ما هذا؟ هل ما زلتَ تُنفقُ على تلك الخدامة وأولادها؟ ألم نتفقْ على أن تفرغَ حياتَك لي أنا فقط؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.