تليفون حكايات انجى الخطيب1

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

» صوت سارينات الإسعاف شق صمت الفجر في ميدان رمسيس، والإضاءة الحمراء والزرقاء عكست على وش مريم الشاحب. المسعفين شالوها بحذر، وأنا ماسكة إيدها الباردة وببص للميدان بعيون خبيرة حفظت كل زاوية فيه على مدار سنين خدمتي.

قبل ما باب الإسعاف يتقفل، شفت أمين شرطة ومعاه ضابط شاب بيجروا باتجاهي. الضابط أول ما عينه جت عليا، وقبل حتى ما أتكلم، ضرب تعظيم سلام كامل كأن الأرض هتنطق تحت رجليه: «تمام يا فندم! المأمورية متحركة زي ما حضرتك أمرتي بالظبط.»بصيت له بثبات وهدوء أشد فتكاً من أي عاصفة: «مريم هتتنقل مستشفى الشرطة بالعجوزة، مش أي مستشفى تانية.

عايزة تقرير طب شرعي فوري ومفصل بكل كدمة، بكل خدش، ونسبة البرودة في أطرافها. الكاميرات اللي محيطة بعمود النور ده تتفرغ دلوقتي حالاً، مش الصبح.. دلوقتي. عايزة خط سير العربية اللي رمتها ورقم اللوحة يبقوا على تليفوني في خلال ربع ساعة.»«أوامرك يا سيادة اللواء، وفريق الأدلة الجنائية والنيابة في انتظار إشارة حضرتك.

»ركبت عربيتي الشاهين اللي مدحت كان بيسخر منها، بس المرة دي ما كنتش الست العجوزة اللي بتعد الجنيهات. فتحت درج التابلوه، وطلعت تليفوني القديم التاني، التليفون المشفر اللي ما بيرنش غير في المهمات اللي مفيهاش هزار.

طلبت رقم واحد: اللواء طارق، مدير أمن الجيزة، وتلميذي اللي اتعلم على إيدي إزاي يفك طلاسم أعقد قضايا القتل والفساد.«إلهام هانم؟ خير يا فندم، الساعة ستة الصبح!» صوته كان مصدوم ومتحفز في نفس الوقت.«طارق، جهز لي إذن نيابة عاجل بتفتيش فيلا مدحت عبد القادر في التجمع الخامس، ومعاك قوة خاصة من الأمن العام والأدلة الجنائية، والطب الشرعي الميداني.»«مدحت مين يا فندم؟ وفيه إيه بالظبط؟»«مدحت جوز مريم بنتي.

اعتدى عليها هو وأمه، ورموها في الميدان بين الموت والحياة، ودلوقتي بيجهزوا عزومة فخمة في الفيلا عشان يستقبلوا رئيس مجلس إدارة الشركة اللي شغال فيها، ومعاهم العروسة الجديدة. فاكرين إنهم مسحوا مسرح الجريمة ونضفوا الدم بمية وصابون، وفاكرين إن مريم مالهاش ضهر يكسر رقابهم.»طارق نفسه اتقطع لثواني، وبعدها صوته تحول لنبرة الحديد: «عشر دقايق وإذن التفتيش وضبط وإحضار هيكونوا جاهزين.

القوة هتتحرك ورا عربية حضرتك فوراً يا فندم.»الساعة كانت 6:30 صباحاً لما وصلت قدام فيلا مدحت في التجمع. الحي كان هادي، والفيلا من برة شكلها يسر العين، الأنوار مشعللة وريحة الأكل والولائم الفخمة بدأت تطلع من المطبخ عشان العزومة الكبيرة. ركنت على جنب وراقبت من بعيد. شفت حركة شغالين داخلين وخارجين، وشفت سهير، حماتها، واقفة في البلكونة ولابسة عباية حرير وبترمي أوامرها بعنجهية، ومدحت لابس بدلة غالية وواقف في الجنينة بيتكلم في التليفون وبيضحك بصوت عالي كأنه لسه قاطع تذكرة لجنة مش رامي مراته في الشارع في عز البرد.

وفجأة، وقفت عربية مرسيدس سوداء قدام الباب، ونزلت منها بنت صغيرة في السن، لابسة فستان سهرة ومحملة بشنط هدايا. سهير نزلت جري تستقبلها بالأحضان وتبوسها وتقول لها: «نورتي بيتك يا حبيبتي، السفرة مستنياكي تقعدي على راسها، والبيت ده خلاص اتنضف من الأشكال العرة!»قبضت على الدريكسيون لدرجة إن مفاصل صوابعي ابيضت.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
931مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة