كل الأملاك دي داخلة في حصر تركة ووقف عائلي مقفول، وبعد وفاة جد طارق الكبير من ست شهور، طارق بقى هو الحارس والمسؤول الوحيد عن إدارة التركة دي.
والمصيبة اللي طارق مخبيها عليهم كلهم وعارف إني عرفتها، إنه كان مديون بره بملايين، ورهن أصول وأوراق رسمية تخص التركة دي في البنوك من ورا باقي الورثة والواصيين عشان يسدد ديونه الخاصة.. يعني مجرد بلاغ واحد رسمي مني للنائب العام والرقابة المالية كفيل يجمّد كل مليم تحت إيديهم ويوديه ورا الشمس بتهمة خيانة الأمانة والتزوير.
بصيت لنيرمين هانم وابتسمت ابتسامة هادية جداً: «متقلقيش يا طنط.. أنا هظبطلك كل حسابات البيت ده.. بالمليم».
ومكنتش تتخيل أبداً أنا قصدت إيه بكلمة «حسابات».
نيرمين هانم سابت المطبخ وخرجت بخطوات واثقة وكعب جزمتها بيخبط في الرخام كأنها ملكة متوجة في قصرها، وطارق طبطب على كتفي بخفة وهو بيضحك وقاللي وهو خارج وراها: «أهو كده.. عجباني عقليتك، أصل مش ناقصين وجع دماغ من أولها.. اعمليلي بقى فنجان قهوة مظبوط وهاتيهولي فوق في التراس».
وقفت ثواني أتنفس وأستوعب المشهد. المطبخ كان واسع جداً، الرخام الإيطالي بيلمع، والأجهزة كلها مستوردة، بس الطاقة اللي في المكان كانت تِكتم النفس. بصيت على المريلة المتطبقة قدامي، ومديت إيدي فتحت درفة التوابل اللي على اليمين، لقيت علبة صغيرة من المعدن كنت لمحت أم سعد وهي بتحط فيها فواتير المشتريات الصبح.
طلعت تليفوني، وصورت كل ورقة فيها. فواتير اللحمة، الخضار، اشتراكات النادي، مصاريف بنزين العربيات، وكل قرش نيرمين هانم بتصرفه من الفيزا اللي مربوطة بحساب التركة.
طلعت الدور التاني، كانت أوضة المكتب بتاعت جدهم الله يرحمه مقفولة بالمفتاح من يوم الوفاة. طارق كان فاكر إنه دافن كل أسراره فيها. بصيت حواليا في الطرقة الطويلة المفروشة بسجاد عجمي تقيل، مكنش فيه حس؛ نيرمين قاعدة في الجنينة بتتكلم في التليفون بصوت عالي وبتطلب أوردرات من محلات دهب وألماظ، وطارق قاعد في التراس بيتفرج على ماتش في تليفونه ومستني القهوة.
دخلت أوضة النوم بتاعتنا، طلعت اللاب توب بتاعي، وفتحت الفلاشة المشفرة اللي مفيش بني آدم يعرف مكانها غيري. نزلت كل كشوفات الحسابات اللي المحامي بتاعي جمعها قبل الفرح. الأرقام كانت مرعبة؛ طارق ساحب قروض بضمان أسهم مش بتاعته لوحده، وعامل توكيلات مضروبة باسم أعمامه المسافرين في الخليج، وفاتح اعتمادات مستندية لشركات استيراد وهمية متسجلة بأسماء عمال شغالين في المخازن عندهم.
عملت فنجان القهوة لطارق، وطلعت بيه على التراس بوش هادي تماماً ومبتسم. حطيته قدامه على الترابيزة الصغيرة.طارق رفع عينه من التليفون، وبصلي بابتسامة صفرا وقال: «تسلم إيدك يا غالية.. شوفتي؟ الموضوع طلع بسيط إزاي؟ أمي بس كلمتها لازم تمشي عشان البرستيج، لكن إنتِ هنا الكل في الكل».
قعدت على الكرسي اللي قصاده، وحطيت رجل على رجل وقولتله بنبرة ناعمة مليانة مكر: «أنا كل اللي يهمني راحتك يا طارق.. بس كنت عاوزة أسألك، هو عمك فريد وعمتك سهير مش ليهم نصيب في عوايد شركة الشحن اللي في بورسعيد؟»
طارق وشه شحب في ثانية، وفنجان القهوة في إيده اتهز ونقطت نقطة على بنطلونه. بلع ريقه وبصلي بعينين ضيقة وسألني: «وإنتِ إيه اللي فكرك بشركة بورسعيد فجأة كده؟ وإيه اللي جاب سيرة أعمامي في الكلام؟»
رديت عليه ببرود وتلقائية مصطنعة: «أبداً يا حبيبي، أصل مامتك تحت كانت بتقول إنها عايزة تغير ديكور الدور الأرضي كله وتعمل بيسين جديد، فبقول في بالي المصاريف دي كلها مش المفروض بتتقسم على الورثة في التقرير المالي السنوي ولا إنت بتشيلها لوحدك؟ أصل مش عايزاك تتزنق في سيولة، خصوصاً بعد ما شوفت إشعار البنك الأهلي اللي جه على إيميلك إمبارح بالليل بخصوص القسط المتأخر بتاع القرض».
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.