ج2 شقة ابويا نور محمد

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

والمحامي لسه على أول الشارع!”
​مراته اتخضت من نبرة صوتي الحاسمة، وركبتها خبطت في بعضها. بصت لأحمد اللي كان غرقان في مصيبته ومش داري بيها، فتحت شنطتها بإيدين بتترعش، وطلعت ظرف الفلوس ورمته على السفرة وهي بتبكي من الخزي.
​أمي قامت من مكانها بالراحة… قربت من أحمد، ولأول مرة في حياتي أشوف أمي بتبص لأحمد النظرة دي. رفعَت إيدها… وضربته بقلم نزل زي الصاعقة على وشه!

ده القلم اللي كان لازم أدهولك من زمان!” أمي قالتها بصوت مبحوح ومجروح.. “أنا اللي افتكرتك سند… طلعت إنت اللي عريتنا! طلعت بتبيع بيتي وبيت أختك اللي كانت بتصرف عليك وعلى ابنك؟! طلعت بتاكل حق الغلبانة اللي كانت بتشتغل وتتعب عشان تسندنا؟!”
​أحمد نزل على ركبه يبكي ويترجاها:
​”سامحيني يا أمي… الشيطان غواني، والديون كانت خنقاني!”

​أمي لفت ظهرها عنه، وجت ناحيتي… مسكت إيدي الاثنين ودموعها نازلة على إيدي تنزل زي المية الدافية:
​”سامحيني يا سارة… سامحيني يا بنتي. عينيا كانت مقفولة… كنت فاكرة إن الراجل هو اللي بيشيل، أثاري اللي شالتني وتحملت قرفنا هي بنتي اللي ظلمتها وقللت منها. سامحيني يا حبة عيني…”
​حضنت أمي بقوة… بكيت، بس المرة دي ما كانش بكاء وجع، كان بكاء ارتياح وخروج للشمس بعد ظلام طويل.
​فجر جديد ونهاية عادلة

​وقفنا كلنا حاسمين للموقف. قلت لأحمد ببرود تام:
​”الشنط بتاعتك أهي يا أحمد… إنت ومراتك وابنك قدامكم ساعة واحدة تلموا بقية حاجتكم وتطلعوا من البيت ده. الفلوس اللي كسرت بيها نفسك حلها من جيبك.

.. بع عربيتك، ارهن شغلك، اتصرف زي الرجال وتكفل بجرائمك. لكن بيتي وأمي خط أحمر من النهاردة!”
​أحمد ومراته لموا شنطهم في صمت خزي، وخرجوا من باب الشقة وهم جارين أذيال الخيبة والندم. أحمد اضطر يبيع عربيته ويسدد جزء من الفلوس للمشتري، وقسط الباقي على نفسه بشغلانتين طول النهار والليل عشان يهرب من السجن… وأخيراً اتعلم معنى المسئولية وأن القرش الحرام ما بيدومش.
​مرت ست شهور على اليوم ده…

​الشقة رجعت لهدوءها ونظافتها. أوضتي رجعت مملكتي الخاصة، والمطبخ بقى مليان بركة وضحك.​أمي اتغيرت تماماً… بقت هي اللي بتقف في وش أي حد يحاول يقلل مني، وبقت بتفتخر بيا قدام القرايب كلهم وتقول: “سارة مش مجرد بنت… سارة بـ مية راجل، هي السند والبيت والعزوة.”
​بقيت أرجع من شغلي، ألاقي أمي عاملة لي الأكل اللي بحبه، نقعد نشرب الشاي مع بعض في بلكونة الشقة اللي بابا صانها لينا حية وميتة… وأنا جوايا يقين إمحي منه الخوف تماماً.

​عرفت إن الحق ما بيموتش، وإن ربنا لما بيبتلي الإنسان بيكشف له معادن النّاس حواليه. والبنت لما تكون قوية، متعلمة، وعارفة قيمة نفسها ومحافظة على حقها… ما فيش قوة في الدنيا تقدر تكسرها أو تاخد سقفها منها.
​تمت بحمد الله

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
936مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة