لكن قبل ما أتكلم… بنتي دخلت علينا فجأة، وقالت جملة واحدة: "ماما… أنا لازم أقولك حاجة حصلت يومها، بس أوعي تزعلي مني…" ساعتها قلبي وقع من مكاني. لأن اللي بنتي كانت هتحكيه… كان مختلف تمامًا عن اللي أنا كنت فاهمته. واللي حصل في المستشفى يومها… هو اللي هيكشف الحقيقة كلها.
يتبع… وقفت مكاني متسمرة، عيني رايحة جاية ما بين وش بنتي المخطوف، وملامح حماتي اللي كانت قاعدة على الكنبة بتبص في الأرض وهادية، هدوء حسيت إنه بيستفز كل خلية في جسمي. النار اللي كانت قايدة جوايا بدأت تزيد، مسكت إيد بنتي وشدتها على جمب بصوت واطي ومخنوق: في إيه يا حبيبتي؟ زعل إيه اللي بتقولي عليه؟
أنتي خبيتي عني حاجة تانية؟ في مصيبة تانية حصلت في المستشفى وأنا معرفهاش؟ بنتي بلعت ريقها بالعافية، دموعها لمعت في عينيها وبصت لحماتي بخوف، حماتي رفعت راسها ورمقت البنت بنظرة معرفتش أفسرها، وقالت بصوت واطي ومبحوح كأنها طالعة من بئر سحيق: احكي يا بنتي لأمك، كفاية لحد كده، أنا مكنتش عايزة وجع قلب، بس من حقها تفهم بدل ما هي شيلاني ذنب كاسر ضهري.
الكلام نزل عليا زي الصاعقة، اتلفت لحماتي وقولت بصوت عالي شوية: شايلاكِ ذنب؟ وحضرتك مش مذنبة يا ماما؟ حفيدك كان هيروح فيها، الشارع غرق من دمه، والغريبة هي اللي شالته وجريت بيه، وأنتي قاعدة تقولي للبنت انزلي شوفي أخوكي؟ ده أنتي حتى مكلفتيش خاطرك ترني عليا وتقوليلي ابنك بينزف في الشارع! حماتي مغضبتش، ولا ردت عليا بنبرتها الحادة المعتادة، هزت راسها بس بتعب وسكتت، وسابت البنت تتكلم.
بنتي مسكت إيدي بقوة، كانت صوابعها متلجة وبتترعش: يا ماما، اسمعيني بس ومتظلميش تيتة. أنتي فاهمة الموضوع غلط خالص، والست أم محمد الجارة دي… مش زي ما أنتي متخيلة. الكلمة خلتني أقف على طرافي، شديت كرسي وقعدت قدام بنتي وركبي مش شيلاني: انطقي يا بنتي وريحي قلبي، أم محمد عملت إيه؟ دي شالته وودته المستشفى وجابتله عصير كمان!
بنتي خدت نفس عميق وبدأت تحكي بصوت مهزوز: يومها، لما أخويا وقع، أنا كنت في الأوضة، فجأة سمعت صوت صريخ فظيع في الشارع، جريت على الصالة لقيت تيتة قايمة تجري ناحية الباب، بس تيتة ركبتها الاتنين أصلاً وجعاها ومش قادرة تدوس، ومع ذلك كانت نازلة على السلم حافية من الخضة.
لما نزلت أول كام درجة، قابلتها طنط أم محمد وهي طالعة تصرخ وتقول الولد غرقان في دمه والشارع مليان دم، تيتة أول ما سمعت الكلمة دي، ضغطها وطى ووشها اصفر وجت تقع على السلم، سندت على الحيطة وقعدت في الأرض مش قادرة تاخد نفسها. تيتة عندها فوبيا من منظر الدم يا ماما وبتجيلها نوبات قلب، أنتي عارفة ده كويس!
كلام بنتي نزل عليا زي المية الساقعة، أنا فعلًا عارفة إن حماتي بيغمى عليها من ريحة الدم حتى، بس من كتر غيظي من فكرة الإهمال، نسيت النقطة دي تمامًا! بنتي كملت وهي بتمسح دموعها: طنط أم محمد مكنتش هادية زي ما قالتلك، دي كانت عمالة تصرخ وتوتر البيت كله وتقول الولد هيموت الولد هيضيع، تيتة من كتر الخوف والدوخة مدت إيدها في صدر جلابيتها وطلعت محفظتها، ورمتها لأم محمد وقالتلها: خدي الفلوس دي كلها، ألفين جنيه كانوا مصاريف البيت، خدي الولد واطلعي بيه على المستشفى الكبيرة اللي في أول الشارع بسرعة وأنا هبعت البنت وراكي!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.